في كتابه (الخطاب العربي المعاصر) يرى د. الجابري أن الحاجة تدعو اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى تدشين عصر"تدوين جديد"، تكون نقطة البداية فيه نقد السلاح، أي نقد العقل العربي ... وأنه لا بدّ من حضور"الأنا"العربيّ حضورًا واعيًا، حضوره كذات لها تاريخ، ذات لها فردّيتها وتناقضاتها وسيرورتها الخاصة.. بل إن"نقد الآخر، عنده، شرط لوعي الذات الذي هو شرط لاكتساب القدرة على التعامل النقديّ مع الآخر. وكان قد أشار إلى ما يجب البدء به، وهو معرفة الذات أولًا وفكّ إسارها من قبضة النموذج السلف حتى نستطيع التعامل مع كلّ النماذج تعاملًا نقديًا ..."
وتدشين عصر"تدوين جديد"شعار يبدو جميلًا، ومتفائلًا وغامضًا أيضًا، فمنذ مشروع النهضة الأوّل ثمة تدوين وتدوين بمعنى ما، يضمر محاولة لوعي الذات أو يفصح عنها، وثمة نقد بعامة، وثمة تعامل نقديّ مع الآخر من وجهة نظرٍ إصلاحية، وترغب في أن تكون جديدة.
قد يشبه عصر تدوين جديد تلك الثورة التي آن أوانها -كما يفترض مطاع صفدي- هذه الثورة المولّدة لعصر التنوير الحقيقيّ والمعبّرة عن كون الأمّة تعيش مناخ الانبعاث الحقيقي. والتي تدفعه للتساؤل عن السبب الذي جعل النهضة العربية الجديدة تعجز عن توليد ثورة رشديّة ثانية، أو عن تحقيق عصر تنوير عربي، لم يعرفه جلّ العرب حتى وهم يلجون عصر الثورات السياسية اللاهبة ... النهضة الحديثة لم تمرّ إذًا بمرحلة عصر التنوير، كما أن وعي النهضة ينتكس، ويلجأ بعد كل هزيمة إلى نظام أنظمته القمعية على حدّ تعبيره، أي اللاعقلانية الغيبيّة وتجسيدها السياسي في التسلّط الأبويّ القمعيّ ... (13) .
هل هناك علاقة بين تدشين عصر تدوين جديد عند الجابري وتحقيق عصر تنوير عربي عند مطاع صفدي؟ وإلى أي مدى يمكن أن يشتمل الأنموذج السلفي على اللاعقلانية الغيبية؟
يتساءل صفدي في موضع آخر إن كان ثمة مفرّ حقًا من أن يأتي العقل العربي نفسه عبر ما يأتي به العقل الغربي نفسه كذلك.