فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 185

يطرح د. برهان غليون شعارًا مفاده: لا، لتدمير الهويّة، لا، لفصل العرب عن العالم، وكأن الشعار ينظر إلى الهويّة كمعطى مطلقٍ ونهائي، مع أنّه يلاحظ، كما يفعل غيره، أنّ الحداثة عمليّة مستمرّة عندنا منذ قرنين، وعلى الرغم منّا، ولا يمكن الاختيار بينها وبين غيرها. ويقرّر أن الجدال بين التراثيين والتحدثيين هو الميدان الذي برزت فيه خصوصية الثقافة العربية. وخلاصة قوله في الحداثة: إن أصل التخلّف لا ينبع من استمرار وجود التراث وعزله لنا عن غيرنا، وإنما من بقاء هذه الحداثة غريبة ومغرّبة أي أداة تفكيك وتقسيم ونفي للذات ... (11) . ولكن هذا التراث، الذي هو تراثات عزّزتها أكثر من سلطة، واستعانت بها، بين مرحلة وأخرى، كان أداة تقسيمٍ وعزلٍ وضياع حتى الآن.

وما شبه الحداثات التي اقترحت علينا من خارج، منذ قرنين، إلا الوجه الآخر والمختلف لشبه التراثات التي تؤجّل عمل الحداثة فينا من داخل!

قد تكون التراثات عامل تعدّد وتنوّع من داخل"هوية"ينجزها الاشتغال على الذات، أو النقد، على أن تتحوّل حداثات وشبه حداثات إلى موضوع للنقد أيضًا، بدلًا من أن يكون كلّ منهما مصدر تقسيم وانقسام أو مصدر صراع زائف، يقنِّع سلطة تأخّرٍ وتأخر سلطة، فتحتمي بالتراث قوى وأشباه قوى كمرجع"مقدّس"وهو الإنتاج الدنيوي، كما تحتمي بالحداثة وشبه الحداثة، التي هي دنيويّة أيضًا، وتحوّلت إلى وثن أو شبه وثن يخدم مصالح هذه الفئة أو تلك!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت