يحدّد د. أنور عبد الملك، وغيره أيضًا، وجود تيارين فكريين رئيسين وكبيرين في الحياة الثقافية العربية: الأصولية الإسلامية والعصريّة الليبرالية. وتتمثّل نقطة انطلاق التيّار الأوّل في الفكر الإسلامي الذي يستوحي الإسلام بالعودة إلى مصادره الخالصة التي تسمح بإقامة حوار مع العصر يستخدم العقل السليم، مهما اختلفت تنويعاته. والتيّار الثاني نقطة انطلاقه في جوهرها الحضارة الغربية، ويهدف إلى خلق مجتمع عصريّ، ينفتح على التقدّم، ويضمّ أيضًا اتجاهات مختلفة ... (10) .
وقد يضمر العنوان الفرعيّ لكتاب د. برهان غليون (اغتيال العقل) فرضيّة ترى أن محنة الثقافة العربية تحددها علاقةٌ ما، أو يعبر عنها صراع مّا، بين السلفيّة والتبعيّة، وكان قد استخلص أن حركتي البحث عن الهويّة واكتشافها والاندفاع وراء الحضارة وتأهيلها حركتان أصيلتان تكمّلان الواحدة منهما الأخرى واستمرار تعارضهما هو مظهر من مظاهر عجز كلّ منهما عن تحقيق الذاتيّة ... وفي صراعهما، ومنه، تنبع إمكانيّات تحوّل الحضارة إلى مدنيّة ... ولكن ما معيار"أصالة"كل منهما؟ وهل يتطابق البحث عن الهويّة واكتشافها مع ثقافة موادها أجوبة جاهزة ومغلفة، أم ينفتح على مشروع ثقافةٍ، تدمّر أجوبتها، وتنتج أسئلتها المختلفة، ما دامت الذات هي الوعي، والثقافة هي وعي الذات بالنسبة للجماعة، على حد تعبيره! ومتى تتحول الجماعة إلى متّحدٍ اجتماعي يستمرّ في إنتاج هويّته ووعي ذاته، بالمقارنة مع جماعةٍ تكتفي بتداول ثقافة مُنتجة ترى فيها هويتها، وتعيد إنتاج ذاتها على صورتها؟