ثالثها: أن الشرق يومئذٍ كان مسكن الأديان المتباينة كالمجوس وغيرهم، ولمَّا فُتِح اندسَّ كثير من الزنادقة بين المسلمين وأظهروا الإسلام واخترعوا الأحاديث الموضوعة، وخلطوها بالاحاديث الصحيحة، وأسسوا من البدع التي تسعى في إحيائها ما زلنا نتعب في مناهضتها إلى اليوم وإلى ما بعده، وأظمأ علماء ا لحديث نهارهم وأسهروا ليلهم حتى انتشلوا تلك الموضوعات كما تنسل الشعرة من العجين، ولعلّ هذا الذي دعاك إلى الانتقام، فانتبه رحمك الله، ولا تكن ممن تحلو في ذوقه البدع، وسر مع الحق كيفما سار فسُنَّة نبيك أولى من الابتداع، وكن صالحًا حقًّا فإن زمنك محتاج إلى المرشدين المخلصين، وإذا رأيت قومًا مالوا فادعهم إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، واترك التشفي جانبًا فإنه ليس من أخلاق العلماء.
والعجب ممن يرى مسلمًا قد تزيّا في لباسه بزي المشركين، فيقيم عليه النكير ويكفِّره، ثم إذا رآه يفعل أفعال المشركين، يملأ الأرض صراخًا بالمدافعة عنه ويحسّن أفعاله، وتارة يحمل كلامه على المجاز العقلي في الوقت الذي يكون فيه المدافع لا يفهم شروط ذلك المجاز، فضلًا عن العامي، فانتبه والله يتولى هداك.
وأما حديث (( يخرج ناس من قِبَل المشرق .. ) )إلخ. فأنت أطلقته بلا زِمام ولا خطام، ولعلّك وجدته مسطورًا في كتب دحلان التي انتحلتها وسميتها باسمك. وأيا ما كان فإن المشرق مبهم فيما نقلته ويفسره ما رواه