فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 239

وأتصور أن نغمة الدهشة المتضمنة في الشطر الأخير من البيتين تصف التوتر الذي أصاب وعي الطليعة المثقفة التي فاجأتها معارف علماء الفرنسيس, واجتذبتها إلى ما أصابها بالدهشة وزيادة الرغبة في المزيد من المعرفة. أما الإشارة إلى العقل, فإنها كاشفة, خصوصا في مصاحباتها الدلالية التي تقرن العقل بالقلب, وتجاوز ذلك إلى ما يجعل العقل علامة على نوع بعينه من المعرفة التي لا يخلو اكتسابها من معنى المفارقة التي يؤديها الشطر الأخير في أكثر من بعد دلالي.

ويلفت النظر في مقامة العطار أنها تبدأ بالهزل الذي ينتهي إلى الجد, وتنتقل من التغزّل في شباب الفرنسيس إلى عظيم علمهم, كما لو كانت تنتقل بالقارئ نفسه من موقف فكري إلى موقف مناقض, مستعينة بحيل الهزل التي لا تتحرج من التغزل بالمذكر, وأسلوب المفاكهة الذي لا يترك ما يبعث البسمة إلا ويقتنصه, غير غافل عن كل ما يحفظ على السجع التقليدي للمقامة صفته الإيقاعية المائزة, لكن بما يراوغ القارئ, وينقله دون أن يعي من اللازم إلى الملزوم, ومن الغفلة في معرفة هؤلاء الشباب الفرنسيس الذين ينجذب السُذَّج إلى حسن مرآهم وحده, فلا يرون منهم سوى هذا الحسن الظاهر, ولكن إذا اقتربوا منهم, وتعرّفوا عليهم, اكتشفوا الحسن الباطن للعلوم الذي يَبَزُّ الحسن الظاهر للوجوه.

وأحسب أن هذا المنحى في المقامة يؤكد ما تنطوي عليه من سخرية متعددة الأبعاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت