ولحسن الحظ وصلتنا مقامة حسن العطار التي عنوانها (مقامة الأديب الرئيس الشيخ حسن العطار في الفرنسيس) , وهي مقامة بالغة الدلالة في الإشارة إلى التحول من شعور النفور إلى شعور الإقبال, واختلاط رغبة المعرفة بالبحث عن السر في تقدم هؤلاء الغرباء, والمقامة تؤدي من خلال السخرية والفكاهة ما يؤكد أهمية معرفة علماء الفرنسيس والاستماع إليهم والحوار معهم. وكان ذلك منذ أن سمع راوي المقامة - الشيخ العطار - من أهل العرفان وممن جال في الأقطار والبلدان (أن القوم لا يشدّدون الوطأة إلا على من حاربهم, ولا يعاملون بالرهبة إلا من نابذهم وغالبهم) , فذهب إلى الأزبكية حيث يقيم علماء الفرنسيس, فالتقى بعض شبابهم, فحاورهم وحاوروه, وأدهشه معرفتهم بالعربية, بل معرفتهم بأمهات كتب التراث المهمة. وانتهى اللقاء بالراوي - الشيخ العطار - إلى التأكد من أن للقوم إلى غوامض المعارف تطلعا ولأبنائها تودّدا وترفّعا (قد أُشربوا في قلوبهم حب العلوم الفلسفية, وحرصوا على اقتناء كتبها وإعمال الفكرة فيها والرويّة, يبحثون عمّن له بها إلمام, ويتجاذبون معه أطراف الكلام) , وأحداث مقامة العطار التي اقتبستُ منها الجمل السابقة دليل على رغبة المعرفة التي تغلّبت على الوعي المعاند, وأوقعته في شراك المعارف التي حصّلها علماء الفرنسيس, خاصة شبابهم الذين اصطفى العطار واحدا منهم ووصفه شعرا بقوله:
تجانس الحسن في مرآه حين غدا ... بين الكلام وبين الثغر تجنيسُ
وصاد عقلي بلفتات فواعجب ... حتى على العقل قد تسطو الفرنسيسُ