وكان واضحًا منذ هذه اللحظة أنه لا سبيل إلى مجاوزة التخلف ومحو الشعور المؤرق بالهزيمة والانكسار, إلا بمعرفة أسرار تقدم ذلك الآخر الذي انطوى التعامل معه على نوع من التضاد العاطفي والفكري متعدد الأبعاد, فمن ناحية ظل هذا الآخر هو الغازي, المعتدي, الأجنبي, المخالف في الملة والمعتقد, الغريب في العادات والتقاليد. لكنه - من ناحية مقابلة - ظلّ المتقدم, صانع المصنوعات التي لابد منها لمجاوزة التخلف, والمخترعات الغريبة التي لا سبيل إلى معرفة أسرارها إلا بإذنه, وحامل مباهج الفنون والثقافات التي وصلت ما بين المسرح والمطبعة والكتاب والجريدة. ومن المؤكد أن جانب الإعجاب كان يغلب جانب النفور, ويتغلب على نوازعه, في لهفة الوصول إلى مراتب التقدم, فيغذّي في النفس رغبة التعرف على ما عند الآخر والتعلم منه والحوار معه.