فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 239

وإذا كانت معرفة الأنا بنفسها لا تكتمل إلا من خلال آخر يضعها في مواجهة حضورها الذاتي, كي تتعرف الموجب والسالب في حضورها, فتضيف إلى الموجب, وتجاوز السالب, فإن (الآخر) الفرنسي المتمثل في العتاد العسكري والعلمي, وفي المصاحبات الثقافية والاجتماعية والسياسية للحملة الفرنسية, كان بمنزلة المرآة التي رأى بواسطتها الوعي القومي حقيقة ما وصل إليه عالمه, وأدرك على نحو صادم أوضاع هذا العالم في علاقات تراتبه الجامد, وانغلاقه الخامل, فوعى تخلفه على نحو صادم, مقابل إدراكه تقدم (الآخر) الذي هزمه بما لا طاقة له به من علم ومخترعات, وعتاد وعلماء, وأوضاع وعلاقات لا تعرف التقليد المتحجّر أو الانغلاق الجاهل.

ويقدم الشيخ عبدالرحمن الجبرتي (1754-1822) في كتابه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) الوثيقة التاريخية التي ترصد صدمة الوعي المهزوم بتفوق (الآخر) عسكريا, وشعوره بالعجز عن الفهم إزاء ما رآه من بعض مظاهر تقدمه العلمي, جنبا إلى جنب إحساسه بالدهشة من جرأة العادات الاجتماعية, والاختلاف المذهل في المصاحبات الثقافية والسياسية. وكما تحدث الجبرتي في دهشة عن نساء الفرنسيس المنطلقات في الشوارع, سافرات, متهللات, يتبادلن الضحك والقهقهة مع المُكارية والحمّارة, تحدث في نبرة استغراب عن التنظيمات السياسية الجديدة التي أقامها نابليون لتوسيع دائرة المشاركة في الحكم, كما توقف في إعجاب عند المسرح الذي أنشأه الفرنسيس ليعرضوا عليه فنونهم وآدابهم, والمطابع الجديدة التي رآها المصريون للمرة الأولى تُصدر من الجرائد والكتب والمطبوعات ما لا سابقة له أو عهد. وبلغ شعور الجبرتي بالدهشة المربكة والحيرة العاجزة عن الفهم عندما شاهد من التجارب الكيميائية والطبيعية البسيطة, ما أصابه بالاضطراب الذي دفعه إلى وصف علم الفرنسيس بقوله: (ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت