فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 239

وليس من الضروري المضي في مناقشة يحيى حقي في الصراع بين المزاج الأقرب إلى النموذج الثقافي الفرنسي والمزاج الأقرب إلى النموذج الإنجليزي, فالمؤكد أن الغلبة كانت للنموذج الفرنسي في القرن التاسع عشر, ولذلك كان أغلب الرحلات إلى أوربا متجها إلى فرنسا وعاصمتها باريس بالدرجة الأولى, وذلك إلى الدرجة التي جعلت من الافتتان بباريس موضوعا لكتاب كامل نشره الدكتور خليل الشيخ تحت عنوان (باريس في الأدب العربي) . ولم يمنع هذا الافتتان بالطبع من الكتابة عن (لندرة) المنافس الطبيعي, بل وصل الأمر بأحمد فارس الشدياق إلى تفضيل لندرة على باريز, ولكن ظل ذلك من قبيل الاستثناء, وظلت (باريز) هي المرآة التي يجتلي فيها وعي الأنا واقع تخلّفه من ناحية, ويقرأ فيها أوصاف التقدم التي يسعى وراءها من ناحية موازية.

رابعًا: ومن الطريف أن تعكس متغيرات هذه المرآة في كتب الرحلات أو سردياتها المتتابعة المتغيرات العمرانية التي طرأت على باريس, أو تعكس نقد اللاحق للسابق, وذلك على نحو ما فعل علي مبارك باشا (1823-1893) الذي ذهب إلى (باريز) بعد حوالي ربع قرن من زيارة الطهطاوي إليها, وتمتعت عيناه بنتائج الثورة المعمارية التي قادها البارون جورج يوجين هاوسمان (1809-1891) التي لم يرها الطهطاوي, فلم ير من أسرار (باريز) ما أدركه خلفه الذي يعد تلميذا له, والذي تنقّل في كتابه (علم الدين) ما بين لندرة وباريز, وأتاح له التنقل مع الوعي بالمتغيرات الأحدث أن ينقد وصف أستاذه لباريز, وذلك عندما جعل (الخواجا) يتطرق إلى ما ذكره رفاعة من أوصاف باريس على النحو التالي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت