(رأيته قد أكثر فيها من مدح باريز وأهلها, وأطنب في وصف نسائها ورجالها, وطاف حول الدن إلا أنه لم يدندن, ورتع حول ذاك الحمى وحام, وما رفع عن وجه ليلى اللثام, وأظنه لم يأتها من أبوابها, ولا كشف له عند وصف لها عن نقابها, ومع ذلك فجميع ما ذكره ورآه قد تغيّر الآن, ومضى في وقته إلى الآن نحو ثلاثين سنة, وفي هذه المدة تقدمت العلوم والصنائع تقدما زائدا, وظهر في أعمال الخلق النتائج المفيدة, فصلح بذلك شأنها واتسعت دائرة ثروتها) .
والفارق بين ما كتبه الطهطاوي عن باريس وما كتبه علي مبارك عنها هو الفارق في تحول الوعي بالموضوع من ناحية, وتحول الموضوع نفسه من ناحية مقابلة, فعلي مبارك الأفندي نموذج لوعي أحدث, تولّد مع جيل الأفندية الذي جاء بعد جيل الشيخ رفاعة ومضى بعده إلى ما هو أبعد في مدى الوعي العمراني والحضاري, وباريس التي شاهدها علي مبارك أفندي ليست باريس التي شاهدها الشيخ رفاعة الطهطاوي, وإنما باريس البارون هاوسمان الذي جعل منها تاج العمارة الطالع في المدن الأوربية.