وأتصور أن الإعجاب بباريس, ومن ثم الانحياز إلى النموذج الثقافي الفرنسي, ظل سائدا إلى أن تعدّلت علاقات المثاقفة في العالم العربي, وتحولت بعثات الأقطار التي غلب عليها الاستعمار البريطاني إلى إنجلترا, فأخذ نموذج ثقافي مقابل في الظهور, خلال التنافس الاستعماري على الأقطار العربية, والتنافس الفكري على الوعي العربي الذي أصبح منقسما, في بعض مستوياته, وفي مرحلة لاحقة, بين ما أخذ اسم اللاتين والسكسون, في المناظرة التي جرت بين العقاد وطه حسين في الثلاثينيات, وهي المناظرة التي أخذت تجليات أكثر حدة حتى في توزّعها الجغرافي الذي مايز, قطريا, في أشكال الصراع الثقافي, بين الفرانكفونيين والأنجلوفونيين في الثقافة العربية, فغلبت الفرانكفونية على البلاد التي احتلها الاستعمار الفرنسي, بينما غلبت الأنجلوفونية على الأقطار التي احتلها الاستعمار الإنجليزي.