فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 239

ويبدو أن رفاعة الطهطاوي قد أسس بذلك الإعجاب الذي ظل مستمرا بمدينة (باريس) التي ارتفعت إلى مصاف الرمز الحضاري, وظل الإعلاء من شأنها بالقياس إلى غيرها وتبرير تفوقها بابًا ثابتًا في كل أشكال الرحلة إليها, ومبدأ ثابتًا في الكتابات اللاحقة المتتابعة التي وصلت إلى كتاب (باريس) الذي نشره أحمد الصاوي محمد سنة 1933, جامعا فيه كل ما عرفه من أقوال في مديح باريس وفضائلها, ولكنه اقتصر - مع الأسف - من أعلام القرن التاسع عشر في العالم العربي على المصريين وحدهم, فحرم القراء بذلك من مادة كان يمكن أن تضيف إلى كتابه, وذلك في السلسلة التي تبدأ من (رحلة باريس التي كتبها فرانسيس فتح الله المرّاش(1836-1873) الحلبي من سوريا وليس انتهاء بما كتبه محمد بلخوخة التونسي في (سلوك الإبريز في مسالك باريز) سنة1900.

ولا غرابة - والأمر كذلك - أن نرى مركزية (باريز) في (رحلة باريس) التي قام بها المرّاش, ووصفها في كتاب صغير حمل العنوان نفسه, كما حمل الآثار العقلانية لفلاسفة عصر الأنوار الفرنسيين, الذين اقترنت بهم الدلالات الفكرية لرمز باريس الذي أضاء وجدان المرّاش وعقله, فأكّد دينه لمصدر الأنوار وفضائها الفرنسي بقوله في كتابه:

(إن للفكر قوة تغلب جميع القوات, وانطلاقا يقاوم كل العوارض, فلا يوجد رادّ إذا جمحت, ولا صادم إذا اندفعت, وكل الوسايط التي استعملت قديما أو حديثا لردها وصدّها إنما كانت مساعدات لازدياد حركتها وتفاقم انطلاقها) .

وغير بعيد عن ذلك ما يقوله المرّاش عن مدينة باريس التي هي (مركز مجد العالم وأعجوبته) , و (مصب أنهار العجايب وموقع أنوار التمدن والآداب) . لقد تحولت باريس - مدينة الأنوار العقلانية والفكرية - في عيني (الجيل الحاضر) الذي انتسب إليه المرّاش إلى رمز ساطع, رمز يجعل من المدينة (عروسة لجميع مدن المسكونة, وشمسا يدور حولها فلك العالم البشري) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت