ولذلك لا ينسى رفاعة أن يذكر في مفتتح كتابه أن من أفضال محمد علي باشا على مصر أنه أحضر إليها ما أمكنه إحضاره من علماء الإفرنج, وبعث ما أمكنه بعثه من مصر إلى تلك البلاد (فإن علماءها أعظم من غيرهم في العلوم الحكمية) . ولكن رفاعة لا يكتفي بذلك, وإنما يورد الحديث (الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أهل الشرك) , ويفسر الحديث الخاص بطلب العلم ولو في الصين بقوله: (من المعلوم أن أهل الصين وثنيون, وإن كان المقصود من الحديث السفر إلى طالب العلم, وبالجملة حيث أمن الإنسان على دينه, فلا ضرر في السفر, خصوصا لمصلحة مثل هذه المصلحة) . ولا ينسى أن يقرن الموروث العربي بغير العربي في محبة الحكمة, فينقل عن بطليموس الثاني قوله: (خذوا الدر من البحر, والمسك من الفأرة, والذهب من الحجر, والحكمة ممن قالها) , وليس من المصادفة - والأمر كذلك - أن يتحدث رفاعة عن الفارابي وغيره من الفلاسفة في سياق تداعيات ذاكرته بمحتوياتها العقلية, استجابة إلى ما يماثلها أو تماثله في حضارة الآخر الفرنسي. وكلها تداعيات تنطلق من اقتناع رفاعة التام (أن بلاد الإفرنج الآن في غاية في البراعة في العلوم الحكمية. وأعلاها في التبحّر في ذلك بلاد الإنجليز والفرنسيس والنمسا, فإن حكماءها فاقوا الحكماء المتقدمين كأرساطاليس وأفلاطون وأبقراط وأمثالهم, وأتقنوا الرياضيات والطبيعيات والإلهيات وما وراء الطبيعيات أشد إتقان, وفلسفتهم أخلص من فلسفة المتقدمين, كما أنهم يقيمون الأدلة على وجود الله تعالى وبقاء الأرواح والثواب والعقاب) .