ثالثًا: كانت فرنسا القطب الذي يجذب إليه الاهتمام في التطلع إلى الغرب لسنوات طويلة من القرن التاسع عشر. لا تضارعها في ذلك سوى لندن (لندرة) , التي سعت إلى منافستها في سياق الصراع الاستعماري على الشرق الأوسط, وفي جذب البعثات الثقافية إليها, على نحو ما فعلت إيطاليا والنمسا. ولكن الغلبة الثقافية ظلت لمدينة باريس في القرن التاسع عشر, الأمر الذي جعل منها موضوعًا محبّبا للكتابات التي ظلت تتطلع إلى فرنسا بوجه عام, وباريس بوجه خاص, بوصفهما النموذج الأمثل للتقدم المنشود على كل المجالات. ويبدو ذلك واضحا في كثرة الرحلات إلى فرنسا, ابتداء من رفاعة الطهطاوي الذي استهل البداية, مرورا بأحمد فارس الشدياق وابن أبي الضياف وفرانسيس فتح الله المرّاش وسليمان الحرائري وانتهاء بمحمد السنوسي وأحمد زكي ومحمد بلخوجة, ويرجع ذلك - بالطبع - إلى أن الحضور الثقافي الفرنسي كان أسبق من حضور غيره, وذلك لسبق فرنسا إلى احتلال مصر, واستمرار نفوذها بعد ذلك بوصفها دولة أوربية, يلجأ إليها الباحثون عن الحرية التي افتقدوها في أوطانهم, ووجدوا في فرنسا - لأسباب سياسية وفكرية معا - ما يحميهم من بطش الاحتلال البريطاني الذي أخذ يفرض وجوده. ولذلك اقترنت الحركة الوطنية المصرية المقاومة للاحتلال البريطاني برعاية ثقافية فرنسية, تؤكدها مسيرة مصطفى كامل وعلاقته بجولييت آدامز وأمثالها من المؤمنين بحرية الشعوب.
وأتصور أن هذا الجانب السياسي - ممتزجا بغيره من الجوانب الثقافية والحضارية - جعل من مدينة (باريس) رمزا للتقدم أسطع من غيره في القرن التاسع عشر, وهو أمر يمكن أن نراه بوضوح في كلام رفاعة الطهطاوي عن باريس, خصوصا حين يقول: