ولاشك أن مثل هذه التأويلات العقلانية, فضلا عن غيرها من المأثورات المنقولة التي تحثّ المسلم على طلب العلم ولو في الصين, كانت تزيد من رغبة المعرفة, وتبعثها على التحقق, وتؤسس دوافعها على أسس مقنعة لأصحابها أولا, ويمكن استخدامها بوصفها حججا دامغة في مواجهة الجامدين من أهل النقل الذين ناصبوا الانفتاح على الآخر العداء, ولم يكفّوا عن مهاجمة الذين أفادوا منه. وليس من المصادفة - والأمر كذلك - أن يكون حسن العطار أستاذ رفاعة الطهطاوي منتسبًا إلى أهل العقل من مستنيري المشايخ الذين لم يقتصر تكوينهم على علوم النقل, بل جاوزها إلى المعارف العقلية. وقد كان العطار مشاركًا في علوم المنطق والطب والفلك والهندسة في عصره, وتولى تدريس العلوم العقلية في الأزهر, وترك لنا من تصانيفه حاشية على شرح إيساغوجي للأبهري في المنطق ورسالة في كيفية العمل بالأسطرلاب. ولولا ذلك ما كتب العطار ما كتب عن علم الفرنسيس, بل ما كتب تلميذه - بعد ذلك - مؤكدا ما بثّه فيه أستاذه من مبادئ بقوله: (إن مخالطة الأغراب, لاسيما إذا كانوا من أولي الألباب, تجلب للأوطان المنافع العمومية, والبلاد الإفرنجية مشحونة بأنواع المعارف والآداب التي لا ينكر إنسان أنها تجلب الأنس وتزيّن العمران) .