ثانيًا: أن الذين تحمّسوا إلى أوربا كانوا من العقلانيين بمعنى أو آخر. أقصد إلى أنهم كانوا تلاميذ للتيارات العقلانية التي تبدأ من فلاسفة الإسلام ولا تنتهي عند المعتزلة. وهي التيارات التي دفعتهم معرفتهم بها - أو بما وصلهم منها - إلى أن يقتدوا بما سبق أن أكّده الكندي (-252هـ) فيلسوف البصرة من أن المسلم لا يستحي من استحسان الحق واقتنائه من أين أتى, وإن أتى من الأجناس القاصية عنا, والأمم المباينة لنا, فإنه لاشيء أولى بطالب الحق من الحق, وليس ينبغي بخس الحق, ولا تصغير قائله ولا الآتي به, فلا أحد بخس بالحق بل كل يشرّفه الحق. كما تعلموا من ابن رشد (595هـ) فيلسوف قرطبة أن على المسلم أن يستعين على ما هو بسبيله بما قاله غيره الذي تقدمه, وسواء كان ذلك الغير مشاركا له أو غير مشارك في الملة, فإن الآلة التي تصح بها التزكية ليس يعتبر في صحة التزكية بها كونها آلة لمشارك في الملة أو غير مشارك, إذا كانت فيها شروط الصحة.