أولا: أن الرحلة إلى أوربا أصبحت هاجسًا ملحًا على وعي الطليعة المثقفة التي تهوّست بمعرفة مصدر التقدم وأسراره في بلاده, وذلك على النحو الذي جعل من النموذج الأوربي النموذج المسيطر على الوعي بوصفه النموذج الواجب احتذاؤه, والإشارة إليه بوصفه الإطار المرجعي في التقدم. ولذلك فإن الانتباه إلى النموذج الشرقي للدول الآسيوية لم يكن مطروحا على الأذهان لاعتبارات عدة, منها ارتفاع صوت الحركة الكمالية في الدولة العلية, والمطالبة بالتحديث على النموذج الأوربي, الأمر الذي أدى إلى إلغاء السلطنة التركية (الخلافة) على يدي مصطفى كمال أتاتورك سنة 1922, وإعلان الجمهورية التركية برئاسة أتاتورك سنة 1923, الأمر الذي ترتّب عليه تزايد عمليات التغريب التي أفضت إلى كتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية, كما لو كانت هذه الحروف قد أصبحت علامة على وعود زمن التغريب القادم. وبالطبع لم يلتفت أحد إلى اليابان التي كانت قد بدأت نهضتها مع نهضة محمد علي في مصر, ولم تكن قد حققت من التقدم ما يبعث على الاهتمام بها. ولذلك ظلّ اهتمام أدب الرحلة منطلقا من رغبة التطلع إلى أوربا بوجه عام, وفرنسا بوجه خاص.