ولاغرابة أن يشهد القرن التاسع عشر (الذي بدأ بعد سنوات ثلاث من الحملة الفرنسية على مصر) عددا كبير من الرحلات إلى أوربا بوجه عام, وإلى فرنسا بوجه خاص, بوصفهما نموذج التقدم الذي وصل إليه العالم المتحضر, ومستقر العلوم الواعدة التي لابد من معرفة أسرارها لتحقيق الحلم الذي خايل العقول. وكما كان فن الرحلة العربي في القديم وسيلة لمعرفة أركان المعمورة الإنسانية, واكتشافا لأسرار العلوم في كل مكان للإفادة منها, وإغناء للتجربة الإنسانية بإضافة التجارب التي تشمل العجائب والغرائب, كان فن الرحلة في القرن التاسع عشر إحياء للفن القديم بلوازمه المعروفة, وإضافة إليه بما فرضته متغيرات التاريخ وتحوّلات الأوضاع السياسية والثقافية والعلمية والاجتماعية.
ويلفت الانتباه - في هذا الصدد - كثرة كتب الرحلات في هذا القرن, منذ العقد الرابع على وجه التخصيص, أي بعد أن تفاعلت الحملة الفرنسية حضاريا وثقافيا واجتماعيا مع الأوضاع السائدة, وبعد أن غاب وجودها العسكري عن مصر منذ سنة 1801, مفسحا المجال لحضور آثارها الثقافية التي تولّدت من نتائجها رغبة متزايدة في معرفة ذلك (الآخر) في موطنه, وفي داخل حدوده بعد اكتساب لغته التي تفتح الأبواب المغلقة من أسرار علومه. وقد فرض التاريخ أن تكون البداية في مصر التي سبقت غيرها من الدول العربية في معاناة الاحتلال الأجنبي وصدمة التجربة المعرفية المصاحبة لهذه المعاناة منذ مجيء الحملة الفرنسية سنة 1798م. وكان ذلك قبل سنوات عديدة من احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830, وتحول تونس إلى محمية فرنسية سنة 1881, قبل عام واحد من الاحتلال الإنجليزي لمصر, وقبل عقود من استيلاء إيطاليا على طرابلس الغرب سنة 1911 وفرض الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912.