فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 239

ومهما يكن من أمر, فما بين مقامات أمثال العطار وسرديات علي مبارك من ناحية, وكتب الرحلات من ناحية مقابلة, كانت الترجمة عن اللغات الأوربية - وبخاصة الفرنسية - إلى اللغة العربية الجهد الإكمالي في معرفة (الآخر) بواسطة مرآة أخرى, بدأت آثارها في الاتساع مع إنشاء مدرسة الألسن على يدي رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) في عهد محمد علي الذي تولى حكم مصر ما بين سنتي 1805-1849, وأتاح لإشباع رغبة معرفة (الآخر) درجة واسعة من التحقق بواسطة البعثات التي أرسلها, والتي عاد طلابها ليسهموا في حركة الترجمة التي أسهمت بدورها في التعريف بعلوم الآخر وفنونه وآدابه, واستبدلت رحلة الكتاب برحلة المكان, فأكملت دائرة معرفة (الآخر) بوسائلها وتقنياتها النوعية المخصوصة في مجالات عديدة وعلى مستويات كثيرة.

ولكن بما أن هذا المقال لا يحتمل الإشارة إلى كل شيء أو التفصيل فيه, فسأقتصر فيما يلي على كتابات الرحلة إلى الآخر في القرن التاسع عشر, وذلك لأن هذه الكتابات اتسمت بمرونة من النوع الذي يجمع لكاتبه كل شيء بالمعنى القديم للأدب الذي هو أخذ من كل شيء بطرف, ولكن في القالب السردي الذي يدنو من تقنيات القص, سواء من منظور تعاقب الأحداث والأماكن عبر الزمن, أو منظور الراوي الذي يقصّ علينا كل ما رآه أو عاينه. ويرجع الاقتصار على القرن التاسع عشر لأنه قرن تأسيس المعرفة الحديثة بالآخر وتأصيلها, ولأنه البداية التي لاتزال تمارس حضورها إلى يومنا هذا بأكثر من معنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت