فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 239

وأتصوّر أنه لا يمكن اكتمال دراسة (أدب التعرّف على الآخر) إلا بدراسة الترجمات المتعاقبة خلال القرن التاسع عشر, أولا لأن هذه الترجمات انطوت على بعد تفسيري أو تأويلي ارتبط بوعي المترجم الذي يستقبل ويعيد إنتاج ما يستقبل من لغة الآخر في لغته هو بحسب منظوره, ومنظور ثقافته المتجسّدة في لغته التي هي فكره. وثانيا لأن اختيار المترجم علامة على فكره كما قال القدماء الذين علّمونا أن اختيار الرجل قطعة من عقله. وثالثا لأن المراوحة بين الترجمة والتعريب وما صحبهما من تمصير أو اقتباس, كان عملا موازيا من فاعلية رغبة معرفة الآخر, لكن بواسطة تحويله إلى ما يشبه الأنا التي أرادت أن ترى الآخر في مرآتها, أو أن ترى الآخر على صورتها, ولولا ذلك ما جعل محمد عثمان جلال (1829-1898) - تلميذ رفاعة في مدرسة الألسن - من (تارتوف) موليير (1622-1673) (الشيخ متلوف) في تجاوب العلاقات, ومن (بول وفرجيني) برناردين دي سان بيير (1737-1814) (قبول وورد جنة) ومن (حكايات لافونتين) (1621-1695) (العيون اليواقظ في الأماثل والمواعظ) لتكون على شاكلة (الصادح والباغم) و (فاكهة الخلفاء) . وكان ذلك يعني أن الرغبة في معرفة الآخر بواسطة ترجمته كانت تعني الارتحال اللساني إليه, والارتحال اللساني له في الوقت نفسه, فالأنا الراغبة في معرفة الآخر لم يكن توترها إزاءه يخلو من محاولة تدجينه, أو تطبيعه بما يجعله صورة موازية لهذه الأنا التي أصبح يريحها جعل الآخر على صورتها, في نوع من الآلية الدفاعية التي تستحق دراسة تفصيلية, تتكشّف بها التقنيات النوعية المخصوصة للترجمة والتعريب والتمصير في القرن التاسع عشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت