والواقع أن دلالة (عين الاستبصار) لا تنفصل - في هذا السياق - عن دلالة إعمال العقل في أحوال المشاهدة والمعاينة, أو تجارب القراءة والتحصيل, وذلك في المدى الذي يجعل من السَّفَر - كالمعرفة المتجددة - مرآة الأعاجيب وقسطاس التجاريب. والإشارة إلى تحريض (العاقل) على الأسفار إشارة إلى تخصيص الإنسان بالعقل الذي ميّز به الله خلقه, وجعله أداة لإدراكهم, وحجّة عليهم, في التزود بمعارف الكون. ولا فارق بين الأسفار بمعنى التنقل والأسفار بمعنى الكتب في تجاوب الدلالة التي لا تفارق الحض على توسيع أفق المعرفة في الزمان والمكان. وهي المعرفة التي تتدافع بتدافع الرغبة إلى اكتسابها, والارتحال في سبيلها إلى الآخر الذي أصبح فضاء لأسفار هذه المعرفة التي تتيح لمن يسعى وراءها ما لا يتاح للقاطن بداره أو القانع بجهله.
وكان من نتيجة ذاك التشكل الحديث لما يمكن أن نسمّيه (أدب التعرف على الآخر) . وهو الأدب الذي يبدأ من مقامة العطار (أو مقاماته?!) , ولا ينتهي مع سرديات علي مبارك (1823-1893) في (علم الدين) , وإنما يتواصل إلى آخر القرن, ومنه إلى القرن العشرين, جنبًا إلى جنب أدب الرحلة الذي جذب الأقلام إليه أكثر من القرن التاسع عشر, وذلك لكونه نوعًا أدبيا يجمع بين أنواع عديدة, جعلت منه الشكل الأدبي الأكثر مواءمة لتسجيل صدمات الاكتشاف الشعورية, والتعبير عن تحوّلات الأنا المعرفية للكاتب عبر متغيرات المكان والزمان والمدركات, والأداة المرنة لاستيعاب الوصف الجغرافي والمعلومات التاريخية والملاحظات الاجتماعية والمشاهدات الغنية وألوان المعارف العلمية المختلفة, فضلا عن تداعيات الذاكرة التي تصل الحاضر بالماضي, ولا تتوقف عن المقارنة بين ما تراه وما تسترجعه أو تتذكره.