فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 239

ومن المؤكد أن ممثلي التيارات العقلانية - وكان منهم حسن العطار وتلامذته - وجدوا في التفوق الفرنسي ما يؤكد ما تعلموه عن أسلافهم من فلاسفة العرب ومتكلّميهم, خصوصا ما يتصل بأهمية إعمال العقل, واستبدال الابتداع بالاتّباع, والإفادة من التجريب الذي لا يخلو من معنى ارتحال العقل بين الظواهر والأفكار ارتحاله بين البلدان والأقطار. وكان ذلك يعني - في أكثر من اتجاه - أن ازدياد الرغبة في التعرف على أسرار الآخر لم يكن يكفي في إشباعها هذه اللقاءات العابرة أو المشاهدات العارضة التي نرى نماذجها عند أمثال عبدالرحمن الجبرتي أو حسن العطار, خصوصا بعد أن تدافعت رغبة معرفة الآخر وتزايدت, وأصبحت الرغبة الفردية قرينة الرغبة القومية في حلم التقدم الذي أصبح السبيل إليه هو النموذج الأوربي بوجه عام والفرنسي بوجه خاص.

ولم يكن من قبيل المصادفة - والأمر كذلك - أن يصدر كتاب التلميذ - رفاعة الطهطاوي - حاملا تقريظ الأستاذ - الشيخ حسن العطار - الذي يصل معنى الارتحال في المكان بالارتحال بين الأفكار, في مدى إعمال العقل, ومدى توسيع الوعي بعلم ما لم يكن يعلم من أحوال المعمورة الإنسانية, فيقول الشيخ الذي كان قد أصبح شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت:

(سبحان من أظهر عجائب مصنوعاته في اختلاف أوضاع مخلوقاته, وتباين أنواع العالم واختلاف هيئاته. يرى ذلك بعين الاستبصار من ولج البحار واقتحم القفار, فإن السفر مرآة الأعاجيب, وقسطاس التجاريب. وقد أودع في هذه الرحلة مؤلفها الأديب الأريب, والفاضل الذكي اللبيب, ما شاهده من عجائب تلك البلاد, وأحوال هؤلاء العباد, ما يحرّض العاقل على الأسفار, والتنقل في الأمصار, حتى يزداد بذلك علما يقينا, ويفوق بالإحاطة بأحوال عباده في الزمن اليسير بما لا يدركه القاطن بداره ولو عاش من السنين مئينا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت