ولاشك أن إشارة العطار التي تقرن أهل العرفان بمن جال في الأقطار والبلدان هي إشارة دالة تومئ إلى إيمان أمثال هذا الشيخ المستنير بأهمية المعاينة المصاحبة لإعمال العقل, والبرهان الذي يرادف العرفان, الأمر الذي يصل مغزى الارتحال في المكان بمعنى الارتحال بين الأفكار, ويرد ثانيهما على أولهما, بما يدنى بالطرفين إلى حال من الاتحاد الذي يساعدنا على فهم الدوافع التي دفعت حسن العطار المعروف بميله للعلوم العقلية إلى حثّ تلميذه النابه - رفاعة الطهطاوي - إلى الاطلاع على هذه العلوم من ناحية, والكتابة عمّا يراه في رحلته إلى باريس طلبا للعلم من ناحية مقابلة, وكان العطار يستعيد في ذلك تقاليد عقلانية في التراث العربي, تقاليد استبدلت الابتداع بالاتّباع, فكانت سببا في ازدهار الحضارة العربية التي ظل تقدمها واتساعها في العالم القديم مرهونًا بانفتاحها العقلاني, وذلك في الوقت الذي كانّ تراجعها وتقلصها وانحدارها قرين الحجر على العقل وإغلاق أبواب الابتداع والابتكار دونه, ومن المؤكد أن هذه التقاليد العقلانية لم تمت قط, وأنها ظلّت أسيرة الهوامش المقموعة, وسط الثقافة التقليدية النقلية الغالبة المزهوّة باتّباعها. ولم تجد ثقافة الهوامش العقلانية ما يتيح لها بعض الحركة إلا في الانفتاح المملوكي على العالم بفضل تحوّل مسارات التجارة العالمية, وتحول السواحل العربية إلى مناطق جذب لتجار فينيسيا وغيرها من المراكز التجارية الأوربية.