وفي ملاحظة للأصل الاشتقاقي للاستثناء يشبّه سيبويه والمبرد الاستثناء التام المنقطع بأداة العطف (لكن) التي تكون للاستدراك بعد نفي، فإنّها توجب للثاني ما تفيه عن الأوّل [1] ، ويجعل ابن السراج من ذلك قوله تعالى {قاَلَ لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إلاّ مَنْ رَحِمَ} أي لكن من رحم [2] . ... ويستمّر ابن السراج في مقارنته ليقارن بين الاستثناء التامّ المتصل المثبت مثل: (قام القوم إلا زيدًا) وبين (لا) مثل قام القوم لا زيد، لأنّ (لا) تنفي عن الثاني ما وجب للأوّل، و (إلاّ) تخرج الثاني عن ما دخل في الأوّل [3] .
ويقول ابن يعيش عن الاستثناء والعطف (فـ(إلاّ) تخرج الثاني ممّا دخل في الأوّل فهي شبه حرف النفي، فقولنا: قام القوم إلاّ زيدًا، بمنزلة: قام القوم لا زيد، إلاّ أنّ الفرق بين الاستثناء والعطف أنّ الاستثناء لا يكون إلاّ بعضًا من كلّ والمعطوف يكون غير الأوّل) [4] ، فعندما يذكر ابن يعيش الفرق بين الاستثناء والعطف فإنّ ما لا يذكره هو أوجه المشابه، بينهما ولمّا كان الاستثناء المتصل والمنقطع إمّا مثبتان أو منفيان، فإنّنا نقدر (لا) مع المثبت و (لكن) مع المنفي كما في الجدول الآتي:
نوع الاستثناء ... الجملة الاستثنائية ... الجملة العطفية
التام المتصل المثبت ... جاء القوم إلاّ زيدًا ... جاء القوم لا زيدٌ
التام المنقطع المثبت ... وصل القوم إلاّ أمتعتَهم ... جاء القوم لا أمتعتُهم
التام المتصل المنفي ... ما جاء القوم إلاّ زيدًا / زيدٌ ... ما جاء القوم لكن زيدٌ
التام المنقطع المنفي ... ما وصل القوم إلاّ أمتعتَهم ... ما جاء القوم لكن أمتعتُهم
ممّا يعني أنّ اشتقاق الاستثناء المثبت مطابق لاشتقاق العطف بـ (لا) والاستثناء المنفي مطابق لاشتقاق العطف بـ (لكن) ، بغض النظر عن كون الاستثناء متصلًا أو منقطعًا، فكلّ من (إلاّ) و (لا) مثبت ما قبلها، ينفيان ما بعدهما من الاتصاف في صفة ما قبلهما، و (إلاّ) و (لكن) منفيّ ما قبلهما، يثبتان لما بعدهما الاتصاف لما نفي عن ما قبلهما.
كما يختلف الاستثناء والعطف فضلًا عما ذكره ابن يعيش في العلامة الأعرابية، فعلامة المعطوف ملازمة لعلامة المعطوف عليه، وعلامة المستثنى النصب وربّما تابعة للمستثنى منه، ثابتة لا تتغير، يجبر متكلم اللغة العربية على الالتزام بها.
فالجملة (1) قام القوم إلاّ زيدًا.
تُشْتقّ من جملتين:
1 -1 - أ- قام القوم
(1) الكتاب 2/ 325 وما بعدها، المقتضب: 4/ 389 وما بعدها.
(2) كتاب الأصول في النحو: 1/ 334 - 335، الآية43، سورة هود.
(3) المصدر نفسه.
(4) شرح المفصل: 2/ 76.