فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 19

قال الشيخ علي الحفيف الحنفي- رحمه الله-:

ومقتضى هذا التعريف: أي تعريف الحنفية أن المال لا يكون إلا مادة حتى يتأتى إحرازه وحيازته، ويترتب على ذلك: أن منافع الأعيان، كسكنى المنازل، وركوب السيارات ولبس الثياب لا تعد مالا وكذا حقوق الإنسان.

أما المنافع فإنها- وإن أمكن الانتفاع بها- لا يمكن حيازتها لأنها أعراض تتجدد بتجدد أوقاتها، وتحدث آنا فآنا باكتسابها، وعمل مبتغيها وطلبه، فإذا ما انتفعت بسكنى منزل فإنما تحدث المنفعة بنزولك فيه وشغلك إياه، وسكناه في يوم معين غير سكناه في يوم آخر، بل إن سكناه في ساعة معينة غير سكناه في ساعة أخرى وإذا ما أردت القراءة في كتاب فلا توجد إلا إذا فتحت الكتاب ونظرت فيه، وتكون قراءتك فيه عند ذلك غير قراءتك فيه بعد هذا الوقت، لاختلاف المقروء واختلاف الوقت وهكذا ترى أن منافع الأعيان أعراض تحدث ساعة فساعة عند طلبها واكتسابها، وإنها قبل الطلب والاكتساب معدومة لا وجود لها في عالم الأعيان، وإذا وجدت فقد وجدت لتفنى حال وجودها، وإذا كانت كذلك لم يمكن حيازتها ولا إحرازها، فلا تكون مالا، لأن المال كما تقدم ما يمكن حيازته، وهذا مذهب الحنفية.

وذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن المنافع أموال، وليس يلازم في المال أن يحرز ويحاز بنفسه، بل يكفي أن يحاز بحيازة أصله ومصدره، ولا شك أن المنافع تحاز بحيازة محالها ومصادرها، فإن من يحوز سيارة يمنع غيره أن ينتفع بها إلا بإذنه وهكذا، فإذا ما وسعنا معنى الحيازة والإحراز، فجعلناه أعم من أن يكون مباشرة أو بالواسطة كان التعريف شاملا المنافع، لأنها ممكنة الحيازة بإحراز أصلها وكذلك ينتفع بها. وبذلك نستغني عن أن نعرف المال تعريفا آخر مثل: ما يجري فيه البذل والمنع.

واعتبار المنافع من الأموال هو أوجه الرأيين، لأنه المتفق مع عرف الناس والمتسق مع أغراضهم ومعاملاتهم، فهم لا يبتغون العيان إلا طلبا لمنافعها، ولأجلها يستعيضونها بالنفيس من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت