عليهما.
ومهما يكن الأمر، فإن المال لما كانت حقيقته تقوم على الاعتبار، فكما اعتبروا الأجناس الخارجية مالًا، فكذلك اعتبروا ذمة الرجل العاقل الرشيد مالًا، ولكن مع الالتزام والتعهد.
فإذا التزم لك الثقة الأمين بمال في ذمته، وثقت به وجعلته كمال في يدك أو صندوقك، وكذا العقلاء يعتبرون أن لك مالًا عنده.
أما من لا عهدة له ولا ذمة كالسفيه والمجنون والصغير، بل والسفلة من الناس الذين لا قيمة لأنفسهم عندهم الذي يعدك ويخلف ويحدثك فيكذب ويلتزم لك ولا يفي بالتزامه، فهؤلاء لا ذمة لهم ولا شرف، والتزامهم عند العقلاء هباء، ولا يتكون من التزامهم عند العرف مال.
فالمال إذا نوعان: خارجي عيني وهو النقود والعروض، واعتباري فرضي وهو ما في الذمم، أعني: الالتزام والعهدة.
والالتزام تأثيره لا ينحصر بالمال، بل يتمطى ويتسع حتى يحتضن جميع العقود، بل وكافة الإيقاعات.
ألا ترى أن البيع إذا صهره التمحيص لم تجد خلاصته إلًا تعهدا والتزاما بأن يكون مالك للمشتري عوض ماله الذي التزم أنه لك؟! فيترتب على هذا الالتزام مبادلة في المالين بانتقال مال كل واحد إلى الآخر، ويتحقق النقل والانتقال كأثر لذلك الالتزام.
وهكذا الإجارة والجعالة، بل والإيقاع كالعتق والإبراء، بل والنكاح والطلاق كلها تعهدات والتزامات وإبرام ونقض وحل وعقد، تباني عقلاء البشر من جميع الأمم والعناصر على إتباعها والعمل بها كقوانين لازمة ودساتير حاسمة، يسقط عن درجة الإنسانية من لا يلتزم بها في كل عرف ولغة [1] .
5 -هل المنفعة مال؟!
(1) تحرير المجلة 115/ 1، وراجع معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء للدكتور نزيه حماد 293.