الثاني: أن التقسيم الثنائي ليست حاصرًا، فهو مدفوع بالإجماع على وجود قسم ثالث يؤخذ منه ويدفع إليه؛ وهم بنو السبيل، تؤخذ منهم الصدقة عن أموالهم الغائبة، وتدفع إليهم الصدقة في أسفارهم للحاجة الماسة [1] .
الدليل الثالث:
أن مال المدين محتاج إليه لأداء الدين ليدفع المطالبة والحبس عن نفسه [2] ، وأداء الدين أولى من الزكاة؛ لأن الدين قد أخذ عوضه والزكاة لم يؤخذ عوضها، فكان أداء ما قد أخذ عوضه أولى، ولهذا المعنى شاهد من الأصول، وهو الاتفاق على أن الدين مقدم على الميراث وإن كان الميراث للورثة وليست للميت، وليس في ذلك إلا أن الدين قد أخذ عوضه، والميراث لم يؤخذ منه عوض [3] .
الدليل الرابع:
"أن الزكاة إنما وجبت مواساة من الأغنياء للفقراء، وشكرا للنعمة، والمدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد، وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك لدفع حاجة غيره، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" [4] ."
ونوقش هذا الدليل من وجهين [5] :
الأول: المنع من أن العلة لإيجاب الزكاة هي المواساة فقط، بل المقصود الأعظم هو الطهرة من الذنوب، كما قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: 103]
الثاني: على فرض التسليم بأن المقصود المواساة؛ فإن هذا لا يقتضي تخصيص العموم، لأنها علة مستنبطة لا تقوى على تخصيص العموم.
ويمكن أن يجاب بما يأتي:
(1) الحاوي الكبير 3/ 310 - 311، وانظر: التجريد 356.
(2) انظر: تحفة الفقهاء 1/ 274، بدائع الصنائع 2/ 384، فتح القدير 2/ 162.
(3) انظر: شرح الرسالة، لعبد الوهاب البغدادي 1/ 396. والحديث أخرجه مسلم من حديث جابر، كتاب الزكاة، باب النفقة بالنفس 2/ 693.
(4) الشرح الكبير على المقنع 6/ 340، شرح منتهى الإرادات 2/ 182. والحديث أخرجه مسلم من حديث جابر، كتاب الزكاة، باب النفقة بالنفس 2/ 693.
(5) انظر: الشرح الممتع 6/ 32 - 33.