الرأي، وعرفت المالكية باصحاب الحديث، فجمع الإمام الشافعي [1] بين هذين المذهبين الفقهيين، فاخرج مذهبا جديدا يتسوط بينهما، هو الذي يعرف بمذهب الإمام الشافعي، وكان منشأ مذهبه في بغداد، فتأثر هذا الأسلوب في النحاة البغداديين فيما بعد.
وأيضا، قد ذكرنا أن عديدا من البدويين انتقلوا من الصحراء إلى البصرة، فحصلت البصرة على نصوص العرب مباشرة، فاما الكوفة فلم يتوفر لديها نصوص العرب فاضطرت للرجوع إلى القياس بدلا عن السماع.
وكان خلفاء بنى العباس يتعصبون للكوفيين، لأنّ الخلفاء العباسيين كانوا يفضلون الفرس ويقربونهم للأغراض والأهداف السياسية، وكان وزراؤهم وأعوانهم من الفرس، والكوفة قريبة من فارس، وتأثرت ببعض الحضارة الفارسية، وكان معلموا أبناء الخليفة من النحاة الكوفيين، فصارت مذهب الكوفيين مذهبا رسميا في الخلافة العباسية، ويدل على تعصب الدولة العباسية وأعوانها على المذهب الكوفي ما حدث لسيبويه، وحكاه العلامة المؤرخ ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان:"كان قد ورد إلى بغداد من البصرة، والكسائي يومئذ يعلِّم الأمين بن هارون الرشيد، فجمع بينهما وتناظرا وجرى مجلس يطول شرحه، وزعم الكسائي أنّ العرب تقول: كنت أظن أنّ الزنبور أشدُّ لسعًا من النحلة فإِذا هو إياها، فقال سيبويه: ليس المثل كذا، بل فإِذا هو هي، وتشاجرا طويلًا، واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء من كلام أهل الحضَر، وكان الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه، فاستدعى عربيًا وسأله فقال كما قال سيبويه."
(1) هو محمد بن إدريس بن العباس أبو عبد الله المطلبي الشافعي، المتوفي سنة: 204هـ ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبر الأمة، و إمام الأئمة، واضع أصول الفقه، وحجة في الفقه والحديث واللغة، تعلم الأدب والعربية أولا، والفقه والحديث ثانيا، وكان شاعرا، وله ديوان في الشعر، صنف كتبا كثيرة، ومنها: الأم، الإملاء، الرسالة في أصول الفقه، أحكام القرآن، المسند وغير ذلك، الإمام الرازي استوعب ترجمة الإمام الشافعي في كتاب مستقل بحجم كبير وسماه مناقب الإمام الشافعي فراحعه.