فقال له: نريد أن تقول كما قال الكسائي، فقال: إِنّ لساني لا يطاوعني على ذلك فإنه ما يسبق إلا إلى الصواب، فقرروا معه أنّ شخصًا يقول: قال سيبويه كذا وقال الكسائي كذا، فالصواب مع من منهما؟ فيقول العربي: مع الكسائي، فقال هذا يمكن، ثم عقد لهما المجلس واجتمع أئمة هذا الشأن وحضر العربي، وقيل له ذلك فقال: الصواب مع الكسائي، وهو كلام العرب، فعلم سيبويه أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي، فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه، وقصد بلاد فارس فتوفي بقرية من قرى شيراز يقال لها البيضاء في سنة ثمانين ومائة، وقيل: سنة سبع وسبعين، وعمره نيف وأربعون سنة [1] .
ورغم أنّ الدولة العباسية ساعدت وتعصبت لمذهب الكوفيين للأهداف السياسية وغيرها، أصبح مذهب البصريين يسيطر على الأجيال التالية، وذلك لأنّ قواعد البصريين هي القواعد المطردة للفصحى، ولا يقيسون على الشواذ والنواذر، ولا يستدلون إلا بأقوال الفصحاء القدامى، ولا يتساهلون في قبول الروايات، ولا يثبتون في كتبهم النحوية إلا ما سمعوه من العرب العرباء، حيث كان الكوفيون بالعكس في كل ذلك، ومن زعماء المذهب الكوفي: الكسائي، وهشام بن معاوية الضرير [2] ، والفراء، وثعلب [3] وأبو بكر الأنباري [4] ، وغيرهم.
(1) ابن خلكان، وفيات الأعيان: 3/ 464
(2) هو هشام بن معاوية الضرير، أبو عبد الله النحوي الكوفي، المتوفى سنة: 209هـ، وله من التصانيف: مقالة في النحو، الحدود في العربية، المختصر في النحو، القياس في النحو، وغيرذلك.- راجع ترجمته في: ابن خلكان، وفيات الأعيان:6/ 85، ياقوت الحموي، معجم الأدباء: (باب الهاء) ، الصفدي، الوافي بالوفيات:4/ 214، السيوطي، بغية الوعاة: 1/ 134.
(3) هو أحمد بن يحي أبوالعباس المعروف بثعلب، المتوفى سنة 291هـ، شيخ اللغة والعربية، إمام الكوفيين في النحو، وقد اعتنى بالنحو أكثر من غيره، فلما أتقنه أكب على الشعر والمعاني والغريب، وله مصنفات كثيرة ومنها: الفصيح، اختلاف النحويين، الحدود، معاني القرآن، غريب القرآن، القراءات، الوقف والابتداء، معاني الشعر، المصون في النحو، المجالسات، المسائل، الهجاء، الأمالي، الشواذ، الأمثال، ما تلحن به العامة، ما ينصرف وما لا ينصرف، استخراج الألفاظ من الأخبار، وغير ذلك. راجح ترجمته في: ابن خلكان، وفيات الأعيان:1/ 102، السيوطي، بغية الوعاة: 1/ 67، الذهبي، سير أعلام النبلاء: 11/ 109، الداودي، طبقات المفسرين:1/ 96، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: 5/ 204، ياقوت الحموي، معجم الأدباء: 2/ 133.
(4) هو محمد بن القاسم بن محمد أبو بكر الأنباري المقرئ النحوي الحنبلي البغدادي، المتوفى سنة: 304هـ، علامة عصره في النحو والأدب، وكان زاهدا متواضعا، وآية في الحفظ، وله مصنفات كثيرة، ومنها: غريب الحديث، الهائات في كتاب الله، المشكل في معاني القرآن، الواضح في النحو، الأضداد في النحو، الكافي في النحو، المقصور والممدود، شرح شعر الأعشى، شرح شعر النابغة، شرح شعر زهير، المفضليات، الهجاء، اللامات، الألفات وغير ذلك، راجح ترجمته في: ابن خلكان، وفيات الأعيان: 4/ 341، الداودي، طبقات المفسرين:2/ 228، البغدادي، تاريخ بغداد: 3/ 181، ياقوت الحموي، معجم الأدباء: 7/ 73، الصفدي، الوافي بالوفيات: 4/ 344.