صنف بعض المتقدمين كتبا يذكر ويناقش فيه عن هذا الخلاف، وقد أفرد أبو البركات عبد الرحمن الأنباري [1] مجلدا ضخما عرض فيه الخلاف بين المذهبين في إحدى وعشرين ومأة مسألة. وعلى سبيل المثال يشير الإمام ابن مالك إلى الخلاف بينهما في باب التنازع في العمل فقال في خلاصته الألفية:
إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
وَالْثَّانِ أَوْلى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ وَاخْتَار عَكْسًَا غَيْرُهُمْ ذَا أسْرَهْ
يعنى إذا تنازع العاملان في معمول كقوله تعالى: {آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [2] فالمختار عند البصريين إعمال الثاني وعند الكوفيين إعمال الاول [3] .
وقد جرت بين أصحاب هذين المذهبين مناظرات نحوية طويلة ومشاجرات كثيرة، وكانت الخلفاء العباسيون يشجعون مثل هذه المناظرات، وقد تطرقت هذه المخالفات إلى مسائل عديدة غير نحوية أيضا، كالكلام في اشتقاق"الإسم"وغيره،
(1) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله، أبو البركات كمال الدين الأنباري الشافعي، المتوفى سنة: 577هـ، وكان إماما في الأدب و النحو والعربية، له مشاركة في كثير من الفنون، وكان ورعا تقيا زاهدا عابدا. ومن مصنفاته: هداية الذاهب في معرفة المذاهب، بداية الهداية، النور اللامع في اعتقاد السلف الصالح، منثور العقود في تجريد الحدود، التنقيح في الخلاف، الجمل في علم الجدل، الإنصاف في الخلاف بين البصريين والكوفيين، أسرار العربية، عقود الإعراب، حلية العربية، ديوان اللغة، لمع الأدلة، الوجيز في التصريف، شرح المقامات، شرح ديوان المتنبي، شرح السبع، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، تاريخ الأنبار، كتاب في التصوف، كتاب في أصول الدين، كتاب في التعبير وغير ذلك، راجع ترجمته في: الذهبي، سير أعلام النبلاء: 15/ 338، الأسنوى، طبقات الشافعية: 1/ 64، ابن خلكان: وفيات الأعيان: 3/ 139، السيوطي، بغية الوعاة: 2/ 86.
(2) سورة الكهف: 96
(3) ابن الناظم، شرح الألفية: ص:99