الصفحة 56 من 379

وكانت البصرة آنذاك مهد الحضارات المختلفة ومهبطها، وهي اللتى وقعت أولا على الثقافات الأجنبية، وخاصة على الفلسفة اليونانية وما يتصل بها من المنطق، فنضجت عقليتها وأصبحت أدق وأعمق من عقلية الكوفة، وجعلها مستعدة لاستنباط قواعد النحو وعلله وأقيسته، وكانت البصرة قريبة من الحجاز، فنزل فيها البدويون وسكنوا بها واستوطنوا ثم تمدّنو. ولهذه الأسباب كلها تقدمت البصرة على الكوفة في رسم النحو وتطويره.

المذهب الكوفي:

حينما بدأ النحو أن ينشأ وترعرع في ربوع البصرة كانت الكوفة تشتغل بالقراءة ورواياتها، وبإنشاء المذهب الفقهي ووضع أصوله ومقاييسه، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وكذلك كانت الكوفة تعتني برواية الأشعار القديمة وصنعة دواوين الشعر، فنمت هذه الأشياء في الكوفة قبل البصرة، ولم يصل إليها أصول النحو إلا من البصرة.

يقال: إنّ أول من أتى بالنحو من البصرة إلىلكوفة هو أبو جعفر الرواسي [1] ، ومعاذ الهراء [2] حيث انّ أبا جعفر أخذ النحو من عيسى بن عمر، وأبي عمرو بن العلاء،

(1) هو محمد بن الحسن أبو جعفر الرواسي، كان إماما في النحو وبارعا في العربية، أستاذ أهل الكوفة في النحو، أخذ عنه الكسائي، وكان رجلا صالحا ورعا، وله تصانيف كثيرة منها: معاني القرآن، الوقف والابتداء، والفيصل في العربية، التصغير وغير ذلك. - راجع ترجمته في: السيوطي، بغية الوعاة: 1/ 102، ياقوت الحموي، معجم الأدباء:6/ 470، الداودي، طبقات المفسرين:1/ 134، ابن الجزري، طبقات القراء: 2/ 119، الصفدي، الوافي بالوفيات: 2/ 234.

(2) هو معاذ بن مسلم أبو مسلم الهراء النحوي الكوفي، المتوفي سنة: 187هـ وتلمذ عليه الكسائي، يقال إنه صنف في النحو كثيرا، ولكن لم يظهر شيء من مصنفاته، وله شعر قليل، راجع ترجمته في: الذهبي، سير أعلام النبلاء: 7/ 672، ابن خلكان، وفيات الأعيان: 3/ 110، السيوطي، بغية الوعاة: 1/ 72

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت