إن من حكمة الله تعالي وسنته في خلقه أن يفتن الناس بعضهم ببعض، ويختبرهم ويبلوهم ليعلم من يطيع ممن يعصي فالمسلم مبتلى بالكافر، ومفتونٌ به. والكافر مفتونٌ بالمسلم ومبتلى به، ويمتحن الله الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء، والضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء. وهكذا يمتحن الله عز وجل عباده بعضهم ببعض قال ابن القيم رحمه الله عند ذكره قول الله تعالي: [وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ] [الفرقان:20] قال: «وهذا عامٌ في جميع الخلق امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسل إليهم، ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم، وتحملت المشاق في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل وهل يطيعونهم، وينصرونهم ويصدقونهم أم يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم وامتحن العلماء بالجهال، هل يعلمونهم وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم، ولوازه ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء هل يطيعونهم ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء والفقراء بالأغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة، وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجل بامرأته، وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين، وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم، ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفائهم من أتباع الرسل، فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: [لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ] [الأحقاف:11] هؤلاء، وقالوا لنوح - عليه السلام: [أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ] [الشعراء:111] ، [وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا] [الأنعام:53] فإذا رأى الشريف