ثم اعلم بأن أهل البدع والأهواء ، وسائر المخالفين للسنة ، إذا استدلوا على بدعهم وأهوائهم بالنصوص الشرعية ، لا يقصدون الإذعان لما جاء في تلك النصوص وطاعتها في الأمر والنهي ، والتحاكم إليها فيما ظهر من الأمور أو خفي ، بل غرضهم هو إضلال العامة والتلبيس عليهم ، وعلامة ذلك أنهم لم ينظروا في تلك النصوص الشرعية قبل أن يبتدعوا ، بل أسسوا بدعهم واخترعوا ما شاءوا بعقولهم وأهوائهم أولًا ، ثم بحثوا في النصوص عما يؤيد ما اخترعوه ، فجعلوا نصوص الوحي تابعة لأهوائهم .
وشأن الراسخين في العلم على الضد من ذلك ، فإنهم نظروا أولًا في الأدلة ثم اتبعوا ما فيها ، فجعلوها إمامًا لهم وقائدًا يقودهم إلى الهدى .
وهناك فرق آخر نبه إليه الشاطبي ، فقال"شأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضًا ، كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة ."
وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما - أي دليل كان - عفوًا وأخذًا أوليًا ، وإن كان ثَم ما يعارضه من كلي أو جزئي ..". الاعتصام [ 1/245 ] ."
قلت: وخلاصة المسألة: أن عامة أهل البدع لابد أن يوردوا على بدعهم أدلة وحججًا يشبهون بها على الناس ، وهي لا تعدو - غالبًا - أن تكون:
1 -أدلة من الكتاب والسنة ، لكنها عامة أو مطلقة لا تصلح لأن يستدل بها على خصوص تلك البدعة .
2 -أدلة من الكتاب والسنة ، لكنها من المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم .
3 -أدلة من الكتاب والسنة ، لكنها تدل على عكس ما استدلوا عليه .
4 -أدلة من السنة ، لكنها ضعيفة لا تصلح للاستدلال بها على شيء ، لشدة ضعفها ونكارتها ، وربما تكون مكذوبة أو لاأصل لها .
5 -القياس على الأدلة الثابتة ، وهذا كثير لدى المبتدعة .
6 -القياس على آثار الصحابة وأفعال السلف ، وهذا أقل من سابقه .
7 -الاستدلال بأقوال الرجال ، من العلماء والفقهاء والشيوخ والوعاظ وغيرهم ، وهذا مشتهر عند المبتدعة ، ومن أكثر ما يتعلقون به .