الصفحة 32 من 603

الإخلاص والنيات والمقاصد (1)

(1) الإخلاص هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة؛ وهو تصفية العمل من كل شائبة كالعجب والرياء والسمعة والمن. والمخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله.

وقد عني السلف بالإخلاص عناية فائقة، إذ هو أول أعمال القلوب وجودًا وأهمها شأنًا وأعلاها مرتبة وأساسها موضعًا، ثم اهتم به كذلك العلماء الربانيون والعُبّاد الموفقون، فصنف فيه العلماء المؤلفات وأفردوا له الأبواب، وابتدأوا دعواتهم ومصنفاتهم في الغالب بالتذكير به والحث عليه لأن الإخلاص وسائر أعمال القلوب شأنها عظيم وأمرها خطير وهي تحتاج إلى مجاهدة وعناية، وعليها مدار النجاة، فإن أعمال الجوارح لا بد أن تحْصل إذا صحّت أعمال القلوب.

قال ابن أبي جمرة: وددت لو أنه كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتي كثير من الناس إلا من تضييع ذلك.

والإخلاص حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل عليهم السلام قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) [البينة 5] ، وقال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر 2] ؛ وهو لب العبادة وروحها، وإن كانت في الحقيقة كلها لب وكلها روح؛ وقال ابن حزم: (النية سر العبودية وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون من العبودية عمل لا روح فيه، فهو جسد خراب) .

والإخلاص أمر خفي يكمن في القلب فلا يعلم حقيقته إلا الله، ولكن له علامات كثيرة منها: الحرص على العمل وعلى إخفائه؛ ومنها المبادرة إلى العمل وعدم التسويف؛ ومنها إتقان العمل في السر؛ ومنها الصبر والتحمل وعدم التشكي؛ ومنها حب خمول الذكر وعدم محبة الشهرة؛ ومنها كراهة المجاملة والمداهنة والتصنع والتكلف؛ ومنها قلة المبالاة بالحظوظ الدنيوية.

وللإخلاص والاحتساب وصدق النية فضائل عظيمة ومنافع متكاثرة، وفيما يلي بعضها:

1-بالاخلاص والاحتساب وإرادة وجه الله تتحول المباحات إلى قربات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليه حتى ما تجعل في فم امرأتك) ؛ رواه البخاري؛ ولذلك قال زبيد اليامي: (إني أحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب) .

وما من عمل مباح إلا ويمكن للمرء أن ينوي به القربة إلى الله تعالى، مثل أن ينوي به التقوي على الطاعة أو التفرغ لها، أو التهيؤ لها أو ينوي به الاستغناء عن المعصية والتعفف عنها والتقوّي على دفعها.

2-الإخلاص سبب لمغفرة الذنوب ولو فحشت، قال ابن تيمية رحمه الله: (والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه فيغفر به كبائركالبغي التي سقت كلبًا، فقد حضر في قلبها من الإخلاص ما لا يعلمه إلا الله فغفر الله لها) .

وبالاخلاص في التوبة غفر الله لقاتل مئة الأنفس المذكور في الحديث المشهور.

3-بالإخلاص في العمل يحصل تنفيس الكروب، والدليل على ذلك حديث الثلاثة الذين حبستهم صخرة ففرج الله عنهم؛ وقد كان يقول كل واحد منهم: اللهم إنك إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه.

4-بالإخلاص والتقوى يرزق المؤمن الحكمة، ويوفق للصواب والتمييز بين الحق والباطل، قال تعالى: (إِنْ تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال 29] .

5-بالإخلاص يدرك الإنسان الأجر على ما يعجز عنه من العمل، قال الله تعالى: (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ) [التوبة 92] ؛ فعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم حبسهم المرض) ؛ وفي رواية إلا شركوكم في الأجر؛ رواه مسلم.

ورواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا حبسهم العذر) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) .

وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) ، رواه مسلم.

6-بالاخلاص في التمني يكتب ثواب العمل الصالح لمن عجز عنه وتمناه بصدق ولو كان عملًا عظيمًا، كرجل ليس لديه مال فيرى رجلًا يتصدق بماله فيقول: لو كان لي مثل هذا عملت مثلما يعمل، فهما في الأجر سواء؛ فقد روى الترمذي عن أبي كبشة عمرو بن سعد الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه: ما نقص مالُ عبد من صدقة؛ ولا ظُلم عبدٌ مظلمةً صبر عليها إلا زاده الله عزًا؛ ولا فتَح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أو كلمة نحوها؛ وأحدثكم حديثًا فاحفظوه؛ قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربَّه ويصل فيه رحِمَه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل؛ وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو نيته؛ فأجرهما سواء؛ وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا؛ فهذا بأخبث المنازل؛ وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته، فوزرهما سواء) ، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

ولهذا المعنى والذي قبله قال يحيى بن أبي كثير: (تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل) ؛ وقال داود الطائي: (رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيرًا وإن لم تنصب) ؛ أي حتى وإن لم تتعب فإن ما حصلته من اجتماع قلبك لله وقوة إرادة رضاه ومثوبته وكثرة الحرص على طاعته وشدة الرغبة فيها: أمر عظيم جدًا؛ قال الفضيل: إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك؛ وقال داود الطائي أيضًا: (البر همة التقي، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يومًا نيته إلى أصلها) .

7-بالإخلاص في طلب الحق والحكم الشرعي يؤجر المرء ولو أخطأ كالعامل والمفتي والقاضي.

8-بالإخلاص ينجو المرء من الفتن، مثل تنجية الله ليوسف عليه السلام من كيد امرأة العزيز وغيرها من النسوة، قال تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف 24] .

9-بالإخلاص تتحقق الكفاية قال الله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) [الزمر 36] ؛ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وما بين الناس) .

10-بالإخلاص يكتب للمرء القبول بين الناس ويعظم انتفاعهم بعلمه ودعوته ووعظه وقصصه؛ والنص والتاريخ والواقع شهود على ذلك عدول.

11-بالاخلاص تندفع الوساوس والهموم والرياء، قال أبو سليمان الداراني: (إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوساوس والرياء) .

هذه بعض أمهات فضائل الإخلاص، ولكن الاخلاص كان لعظمته وخطورته عزيزًا ونادرًا، وهكذا أراده الله تعالى أن يكون بهذا الوصف؛ ولذا يصعب تحققه إلا عند من استثناه الله تعالى فوفقه إليه؛ وهذه بعض كلمات السلف والمتقدمين من أهل العلم والعبادة والزهد في هذا المعنى:

1-قال سفيان: (ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي إنها تنقلب علي) .

2-قال يوسف بن أسباط: (تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد) .

3-قال سهل بن عبد الله التستري: (الإخلاص أعز من الكبريت الأحمر) .

4-قال يوسف بن الحسين: (كم أجتهد في إسقاط الرياء من قلبي، فينبت لي على لون آخر) .

5-قال الفضيل بن عياض: (ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما)

فمن عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس فهو واقع في نوع من أنواع الرياء؛ ولكن لو ترك العمل ليفعله في الخفاء، فهذا بحسب حاله ومقصده؛ وأما المقتدى به المنظور إليه الذي يلمس من نفسه الصدق في نيته إن شاء الله، فإن كان يستحب في حقه إظهار عمل من الأعمال فليظهره، وكذلك إن كان العمل الذي يريد عمله المشروع فيه الإظهار.

قال ابن قدامة: (وفي الإظهار فائدة الإقتداء، ومن الأعمال ما لا يمكن الإسرار به كالحج والجهاد، والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي بل ينوي الإقتداء به) ؛ قال: (ولا ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك، ومثل الذي يظهره وهو ضعيف كمثل إنسان سباحته ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم فأقبل إليهم فتشبثوا به وغرقوا جميعًا) .

تنبيه: ليس من الرياء أن يشتهر المرء ولكن الشهرة يمكن أن توقع في الرياء!!

انتهى الكلام على هذا الموضوع، وقد استفدت بعضه من شريط مفرغ للشيخ محمد صالح المنجد حفظه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت