الصفحة 64 من 148

واستدلوا لذلك: بما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأتاه رَجُلٌ يَوْمَ النَّحرِ، وهو واقفٌ عندَ الجمرةِ فقالَ: يا رسولَ اللهِ! إني حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أرميَ، فقال: (( ارمِ ولا حَرَجَ ) )وأَتَاهُ آخرُ فقال: إني ذبحتُ قبلَ أَنْ أَرْمِيَ، قال: (( ارمِ ولا حَرَجَ ) )وأتاهُ آخرُ فقالَ: إني أَفَضْتُ إلى البيت قَبْلَ أَنْ أرميَ، قال: (( ارمِ ولا حَرَجَ ) )، قال فما رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عن شيءٍ إلا قال: (( افْعَلُوا ولا حَرَجَ ) ).

القول الثاني: منع المخالفة في ترتيب بعض أعمال الحج:

وبهذا أخذ أبو حنيفة والمالكية ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهناك فروق في أقوالهم وفيما يلي بيان كلٍّ على حِدَة:

1 -فقال أبو حنيفة رحمه الله: لو حَلَقَ قبل رميِ الجمرة، أو ذبح القارن -أو المتمتع- قبل الرمي، أو حلق قبل الذبح فعليه دَمٌ.

استَدَلَّ أبو حنيفة رحمه الله بقول ابن مسعود رضي الله عنه: مَنْ قَدَّم نُسُكًا على نُسُكٍ فَعَلَيْهِ دم [1] .

2 -وقال المالكية: يجب تقديم الرمي على الحلق والإفاضة، فإن خالف فعليه دَمٌ [2] ، ولو قدم الذبح على الرمي، أو قدم الحلق على الذبح، أو قدم الإفاضة على الذبح أو على الحلق فلا شيء عليه [3] .

3 -وقال الإمام أحمد رحمه الله في رواية عنه: إن قَدَّمَ الحلق على الرمي والنحرِ: فإن كان ناسيًا أو جاهلًا فلا شيء عليه، وإن كان عامدًا فعليه دم [4] ، وروي نحو ذلك عن سعيد بن جُبَيرٍ وجابر بن زيد، رضي الله عنهما [5] .

والظاهر للباحث ما قاله الشافعية والحنابلة من أَنَّ المخالفة في ترتيب أعمال الحج (الرمي والنحر والحلق والإفاضة) جائزة، لصحة وصراحة الحديث الذي استدلوا به، ومراعاة الخلاف إن أمكن هنا أولى.

وبعد، فهذا بيان ترتيب أعمال الحج، وفي المسألة الآتية بيان أول وقت الحلق وطواف

(1) انظر المبسوط 4/ 41، 42.

(2) انظر الذخيرة 3/ 266 فما بعدها، حاشية الدسوقي 2/ 146، جامع الأمهات ص198.

(3) مواهب الجليل 3/ 131.

(4) والرواية الأخرى عن الإمام أحمد أنه لو أَخَلَّ بترتيب أعمال الحج عامدًا فلا شيء عليه.

(5) انظر الشرح الكبير لابن قدامة 5/ 64، 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت