الصفحة 56 من 148

وسواء كان من أهل الأمصار أو من أهل القرى أو البوادي، أو المسافرين، وسواء ذبح الإمام ضحيته أو لا.

وقال الحنفية: إن وقت ذبح الأضحية هو من بعد صلاة العيد في الأمكنة التي تُقَامُ فيها صلاة العيد، والأفضل أن يؤخر الذبح إلى ما بعد الخطبة، فإن تَعَدَّدت صلاة العيد في البلد الواحد، فالاعتبار بأسبق صلاة، فإن فاتت صلاة العيد لتخلف الإمام لم يذبح إلا بعد زوال الشمس، لأنه لما زالتِ الشمس فقد فات وقت صلاة العيد، وإن صلاها الإمام في اليوم الثاني كانت على وجه القضاء.

وأما مَنْ ليس عندهم صلاة عيد، كالقرى، فاختلف الحنفية وغيرهم في أول وقت تضحيتهم:

فقال الحنفية: يدخل وقت تضحيتهم بطلوع الفجر من يوم النحر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رَتَبَ الذبح على الصلاة، وليس لأهل القرى صلاة العيد، فلا يثبت الترتيب في حقهم، ويصير وقتها من بعد طلوع الفجر كسائر اليوم.

وقال المالكية: لا يجوز لأحد أن يذبح أضحيته قبلَ ذبح الإمام وتبطل أضحيته إن سبقه، ووقت ذبح الإمام بعد الصلاة والخطبة لحديث جُنْدَب الأول.

قالوا: فإن لم يذبح الإمام اعتبر زَمَنُ ذبحه، وإن كانوا في قريةٍ ولا إمام لهم تحروا ذبح أقرب الأئمة إليهم.

وقال الحنابلة: إن أول وقت الأضحية يكون من بعد صلاة العيد في حق مَنْ عندهم صلاة عيد، وأما من ليس عندهم صلاة عيد فأول وقت تضحيتهم بقدر زمن مضي صلاة العيد، وهذا هو الظاهر للباحث، لدلالة الأحاديث عليه.

هذا بيان أول وقت الأضحية، وفيما يلي بيان آخره.

آخر وقت ذبح الأضحية:

اختلف الفقهاء في آخر وقت ذبح الأضحية على قولين:

القول الأول: آخر وقت ذبح الأضحية مغيب شمس ثالث أيام النحر (ثالث أيام العيد) :

وبهذا قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، وهذا قول بعض الصحابة، منهم عمر، وعلي، وأنس، رضي الله تعالى عنهم [1] .

واستدل الجمهور لذلك:

1 -بقوله تعالى: {مَنَافِعَ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ فِي فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ بَهِيمَةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28] .

2 -بما رواه الشيخان رحمهما الله تعالى عن عَلِيٍّ كَرَّمَ الله وجهه أنه صَلَّى -أي العيد- قبل الخُطْبَةِ، ثُمَّ خطبَ الناسَ فقال: إِنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نَهَاكُمْ أَنْ تَاكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فوقَ ثلاثٍ.

القول الثاني: آخر وقت ذبح الأضحية مغيب شمس رابع أيام النحر:

لما رواه البيهقي عن جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( كُلَّ أيامِ التشريقِ ذبحٌ ) ) [2] .

وبهذا قال الشافعية، وبه قال جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وجُبير بن مُطْعِمٍ رضي الله عنهم [3] .

والظاهر للباحث ما قاله الشافعية، مع استحباب مراعاة الخلاف هنا والله تعالى أعلم.

التضحية في ليالي أيام عيد الأضحى:

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: جواز ذبح الأضاحي ليلة أيام الذبح مع الكراهة:

روى البيهقي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: «نهى عن جذاذ الليل [4] ، وحصاد الليل، والأضحى بالليل، وإنما كانَ ذلكَ من شِدَّةِ حالِ الناس فنهى عنه، ثم رَخَّصَ فيه» [5] .

وبهذا قال جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة [6] .

(1) انظر الهداية 4/ 406، الدر المختار 5/ 202 (ط دار إحياء التراث العربي) ، إعلاء السنن 17/ 231 فما بعدها، الموطأ 2/ 388، المغني 13/ 157، المجموع 8/ 360، وستأتي مراجع أخرى في الهوامش التالية.

(2) رواه أحمد في مسنده 4/ 82، والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 239، قال النووي رحمه الله: «وأما حديث جُبير بن مُطعم فرواه البيهقي من طرق، قال: وهو مرسل، لأنه من رواية سليمان بن موسى الأسدي رحمه الله فقيه أهل الشام عن جُبيرٍ رضي الله عنه، ولم يدركه، ورواه من طرق ضعيفة متصلًا» . المجموع 8/ 357، انظر مسند الإمام أحمد (ط دار الرسالة) الهامش 27/ 316، 317.

(3) انظر المجموع ومعه المهذب 8/ 357 فما بعدها، معرفة السنن والآثار 7/ 523، 524.

(4) الجذاذ: القطع، والمراد قطع النخل ونحوه.

(5) رواه البيهقي في السنن الكبرى 9/ 290.

قال النووي رحمه الله: «هذا أيضًا مرسل أو موقوف» المجموع 8/ 358.

(6) انظر بدائع الصنائع 5/ 60، 75، المجموع 8/ 358، المغني 13/ 158، 159، المبدع 3/ 258، 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت