منه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمَّا أرخص للرعاة الرمي في الليل التالي دَلَّ هذا على أن الرمي في الليل جائز، وفائدة الرخصة زوال الإساءة عنهم تيسيرًا عليهم، ولو كان الرمي واجبًا قبل الغروب لألزمهم به؛ لأنهم لا يستطيعون إنابة بعضهم في الرعي.
قال الحنفية: إن الوقت ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر يجوز الرمي فيه لأصحاب الأعذار كالرعاة، كما في الحديث، وأما غير أصحاب الأعذار، فيكره لهم تأخير الرمي إليه، فإن فعل أجزأه وقد أساء، ولا دم عليه، إلا إذا أخره إلى ما بعد طلوع الفجر من اليوم التالي [1] .
القول الثالث: آخر وقتٍ لرمي جمرة العقبةِ يمتدُّ إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق:
وبهذا قال الشافعية والحنابلة، واستدلوا لذلك بأن كل هذه الأيام أيام رمي، وتأخير الرمي عن هذا اليوم الأول يعد كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته.
ثم اختلف الشافعية والحنابلة فيمن أَخَّرَ رمي جمرة العقبة يوم النحر فلم يرمها حتى غابتِ الشمس هل يجوز له أن يرميها في الليل؟
فقال الشافعية: يجوز رمي جمرة العقبة في ليالي التشريق على الأصح، قال النووي رحمه الله: «لو ترك يومَ العيد رميَ جمرة العقبة، فالأصح أنه يتداركه في الليل، وفي أيام التشريق، ويشترط فيه الترتيب، فيقدمه على رمي التشريق، ويكون أداءً على الأصح» [2] .
واستدلوا لذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق، حيث رخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للرعاة في الرمي في الليل.
(1) انظر بدائع الصنائع 2/ 137، إعلاء السنن 10/ 179.
ملحظ: قسم الحنفية وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر إلى أربعة أقسام:
الأول: وقت جواز؛ ويبتدئ من طلوع الفجر يوم النحر وينتهي إذا طلع الفجر من اليوم الثاني.
الثاني: وقت استحباب؛ ويبتدئ من طلوع الشمس إلى الزوال.
الثالث: وقت إباحة؛ ويبتدئ من الزوال إلى الغروب.
الرابع: وقت مكروه؛ وهو ما قبل طلوع الشمس وبعد الغروب.
انظر البحر الرائق 2/ 371.
(2) الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص367.
ملحظ: ظاهر كلام الرافعي أن الأصح أن وقت رمي الجمرة لا يمتد إلى الليل فقد قال رحمه الله: «يمتد وقته-أي وقت رمي الجمرة- إلى غروب الشمس يوم النحر، وهل يمتد تلك الليلة؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا». العزيز 3/ 427.
ويحمل هذا التصحيح على وقت الاختيار، انظر مغني المحتاج 1/ 677.