وبعد بيان أول وقت الرمي إليك بيان آخره في المسألة.
آخر وقتٍ لرمي جمرة العقبة:
1 -عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُسْأَلُ يومَ النَّحرِ بمنىً، فيقول: (( لا حَرَجَ ) )فَسَأَلَهُ رجلٌ، فقال: حَلَقْتُ قبلَ أَنْ أذبحَ، قال: (( اذْبَحْ ولا حَرَجَ ) )، وقال: رميتُ بعدما أَمْسَيْتُ، فقال: (( لا حَرَجَ ) ) [1] .
2 -عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: إِنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم رَخَّصَ لرعاةِ الإبل أن يَرْمُوا لَيْلًا [2] .
اختلف جمهور الفقهاء على ثلاثة أقوال في آخر وقت لرمي جمرة العقبة يوم الأضحى، نظرًا للاختلاف بين الحديثين السابقين.
القول الأول: آخر وقت لرمي جمرة العقبة غروب الشمس:
قال المالكية: يمتد وقت أداء رمي جمرة العقبة يوم النحر إلى غروب الشمس، فإن لم يرم فعليه دم، ويجب عليه أن يقضيَ الرمي -إذا فات عن وقته- ما لم تغب شمس اليوم الرابع من أيام الأضحى، فإن غربت فات وقت قضاء رمي الجمرات، سواء أكان رمي جمرة العقبة يوم النحر، أم رمي اليوم الثاني أو الثالث من أيام الأضحى، وسيأتي ذكر هذا أيضًا في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
استدل المالكية لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنه ومحل الشاهد فيه قوله: رَمَيْتُ بعْدَما أَمْسَيْتُ، فقالَ: (( لا حَرجَ ) )، والمساء يُطلَقُ على ما بعد الزوال، ويمتد إلى غروب الشمس قياسًا على سائر أيام الرمي، فهذا الوقت في أيام الرمي اتفق الجمهور على سُنِيَّة الرمي فيه -كما سيأتي في المبحث الآتي- فيكون غروب الشمس يوم النحر آخر وقت للرمي اعتبارًا بسائر الأيام، وبهذا قال بعض الحنفية [3] .
القول الثاني: آخر وقت لرمي جمرة العقبة طلوع الفجر من اليوم التالي:
وبهذا قال الحنفية، واستدلوا لذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، ووجه الدلالة
(1) رواه البخاري في الحج، باب إذا رمى بعدما أمسى ... ، ص331، رقم (1735) .
(2) رواه البزار (كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة، كتاب الحج، باب رمي الرعاء، 2/ 32، رقم(1139 ) ) .
قال الهيثمي رحمه الله: «رواه البزار وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف وقد وُثِّق» . مجمع الزوائد 3/ 575.
وقال الزيلعي رحمه الله: «قال ابن القطان ... روى البزار هذا الحديث عن ابن عمر بإسناد أحسن من هذا» نصب الراية 3/ 178.
(3) انظر بداية المجتهد 1/ 256، الخرشي 2/ 333، 334، 336، 337، الذخيرة 3/ 265، 266، بدائع الصنائع 2/ 137، إعلاء السنن 10/ 179، الحج والعمرة ص108.