يقولُ: أَرْخَصَ في أُولئكَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
2 -وروى أبو داود بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الجَمْرَةَ قبلَ الفجرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ، وكانَ ذلكَ اليومُ اليومَ الذي يكونُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم [تعني] عندَها.
اختلف الفقهاء على قولين في أول وقت رمي جمرة العقبة، نظرًا لاختلاف الحديثين السابقين:
القول الأول: جواز ابتداء رمي جمرة العقبة بعد طلوع الفجر الثاني يوم الأضحى، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما -الأول- وبهذا أخذ الحنفية والمالكية، فلو رمى قبل الفجر لم يصحَّ [1] .
القول الثاني: جواز ابتداء رمي جمرة العقبة من بعد انتصاف ليلة يوم الأضحى، لحديث عائشة رضي الله عنها الثاني، ومحل الشاهد فيه: «فَرَمَتِ الجمرةَ قبلَ الفجرِ» .
وبهذا أخذ الشافعية والحنابلة، وما قبل الفجر صالح لجميع الليل، ولا ضابط له، فَجُعِل النصف ضابطًا، لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبله، ولأن النصف الثاني من الليل وقت للدفع من مزدلفة، فكان وقتًا للرمي كما بعد الفجر.
قال الشافعية: يشترط تقدم الوقوف في مزدلفة على رمي الجمرة، ولو رمى بعد انتصاف الليل وقبل الوقوف أعاد الرمي [2] .
والظاهر للباحث أنه لا تعارض بين حديثي ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، لأن حديث ابن عمر رضي الله عنهما دَلَّ بمفهومه (مفهوم المخالفة) على عدم الرمي قبل الفجر، وحديث عائشة دَلَّ بمنطوقه على جواز الرمي قبل الفجر، والمنطوق مقدم على المفهوم باتفاق من قال بمفهوم المخالفة، ويتأيَّد هذا المنطوق أيضًا بحديث أسماء رضي الله عنها-السابق- [3] حيث إنها رمت بعد غياب القمر، وغيابه قبل طلوع الفجر، وقالت في آخر الحديث بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص للنساء بذلك.
(1) انظر فتح القدير ومعه الهداية 2/ 499، 500، بدائع الصنائع 2/ 137، البحر الرائق 2/ 371، حاشية ابن عابدين 7/ 124، بداية المجتهد 1/ 256، الخرشي 2/ 236، 237، الحج والعمرة ص107.
(2) انظر مغني المحتاج 1/ 677، المجموع ومعه المهذب 8/ 164، 169، المغني 5/ 46، 47، المبدع 3/ 220، الروض المربع ص189.
(3) تقدم ذكر في المطلب الثاني من المبحث السابق، بخاري رقم (1679) ، ومسلم رقم (1291) .