الصفحة 41 من 148

والظاهر للباحث هو رجحان ابتداء الوقوف بمزدلفة من بعد منتصف الليل إلى قبيل طلوع الشمس، وأنه لا تعارض بين حديث مُضَرِّسٍ وأسماء رضي الله عنهما، ذلك أن حديث مُضَرِّس يدل على آخر الوقت الذي يجوز فيه الوقوف وهو طلوع الشمس، وبعده لا وقوف، وحديث أسماء رضي الله عنها يدل على أن من وقف بعد انتصاف الليل أجزأ وقوفه، وهذا لا يتعارض مع منطوق حديث مُضَرِّس، بل يتعارض مع مفهومه [1] ، والمنطوق مقدم على المفهوم عند التعارض، لكن الأَوْلَى أن لا يذهب من مزدلفة إلا بعد غروب القمر، ومغيب القمر في تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير كما يقول ابن حجر رحمه الله [2] .

ومن جانب آخر، إن الأخذ بهذا فيه سعة للحجيج، وهذا يتلاءم مع مقاصد الشرع في عدم الحرج، وخاصة في الحج، والله تعالى أعلم.

وأخيرًا دَلَّ حديثا أسماء وابن عباس رضي الله عنهم على أنه يُسنَّ تقديمُ الضعفاء من النساء وغيرهن من مزدلفة قبل طلوع الفجر إلى منى، ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس [3] .

المطلب الثالث

مواقيت الذهاب من مزدلفة إلى منى

دَلَّ حديث جابر السابق رضي الله عنه على أنه يسن الذهاب من مزدلفة إلى منى بعد الإسفار، وقبل أن تطلع الشمس، ومحل الشاهد فيه: «فلم يزلْ -أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واقفًا حتى أسْفَرَ جدًا، فدفعَ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ» [4] .

وبهذا قال جمهور الفقهاء، وحد الإسفار -كما فسره الحنفية- بحيث لا يبقى إلى طلوع الشمس إلا مقدار ما يُصلي ركعتين [5] ، فإنِ ابتدأ الذهاب إلى منى بعد طلوع الشمس، فهو مكروه كراهة تنزيه [6] ، لما رواه البخاري رحمه الله عن عمرو بن مَيْمُونَ رحمه الله أنه قال: شهدتُ عمر رضي الله عنه صَلَّى بجمع الصبحَ، ثُمَّ وقفَ، فقال: إِنَّ المشركين كانوا لا

(1) أي مفهوم المخالفة.

(2) انظر فتح الباري 3/ 615.

(3) انظر المجموع 8/ 156، المبدع 3/ 216.

(4) تقدم ذكره في أول المطلب الثاني من هذا المبحث.

(5) الظاهر من عبارة المالكية أن حَدَّ الإسفار هنا عندهم قبل الذي ذكره الحنفية، ويكون بحيث تتميز الوجوه بسبب انتشار ضوء النهار. انظر الخرشي 2/ 333، الشرح الكبير للدردير 1/ 179.

(6) انظر حاشية ابن عابدين 7/ 113، 114، جامع الأمهات ص198، مواهب الجليل 3/ 125، المجموع 8/ 158، 159، المغني 5/ 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت