الصفحة 40 من 148

قد يُستدل للمالكية لما ذهبوا إليه بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد باشر بأعمال مزدلفة بعد غروب الشمس، فَتَوقَّفَ أداء واجب الوقوف به على نحو ما سبق، والله أعلم.

القول الثاني: وقت أداء الوقوف بمزدلفة مابين النصف الثاني مِنَ الليل إلى طلوع الفجر الثاني.

قال الشافعية والحنابلة: يجب الحضور بمزدلفة ولو للحظة فيما بين نصف الليل إلى طلوع الفجر الثاني، فلو وقف قبل انتصاف الليل أو بعد طلوع الفجر فعليه دم (ذبح شاة ونحوها) .

استدل الشافعية والحنابلة لهذا التوقيت بحديث أسماء السابق، حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رَخَّصَ للنساء بأن يَدْفَعْنَ إلى منى قبل الفجر [1] .

والتقدير بنصف الليل لم أقف فيه على دليل صريح لهم، بل إن دَفْعَ أسماء رضي الله عنها من مزدلفة ثم رميها لجمرة العقبة قبل الفجر وأخيرًا صلاتها في بيتها في مكة المكرمة، كل هذا يتقدر بما بعد انتصاف الليل.

القول الثالث: وقت أداء الوقوف بمزدلفة مابين طلوع الفجر يوم النحر وطلوع الشمس: وبهذا قال الحنفية، قالوا: فمن حَصَّل لحظة بمزدلفة في هذا الوقت فقد أدرك الوقوف، سواء بات بها أم لا، ومن لم يحصل بها فيه فقد فاته الوقوف، وعليه دم، لتركه هذا الواجب، وأما البيتوتة بمزدلفة إلى الفجر فهي سنة مؤكدة.

استدل الحنفية لهذا الواجب بحديث مُضَرِّسٍ السابق، ومحلُّ الشاهد فيه: (( مَنْ صَلَّى معنا صلاتنا هذه -أي صلاة الصبح مزدلفة- ههنا، ثم أقام معنا ... فقد تَمَّ حجُّه ) )فقد عَلَّقَ تمام الحج بهذا الوقوف، والواجب هو الذي يتعلق التمام بوجوده لا الفرض [2] ، وقوله (( صلاتنا هذه ... ) )دليل على أن ابتداء وقت أداء الوقوف يكون بطلوع الفجر، ثم إن إفاضة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس دليل على أن آخر وقتٍ للوقوف بمزدلفة هو طلوع الشمس، والله أعلم.

(1) انظر الأم 2/ 233، العزيز 3/ 421، المجموع ومعه المهذب 8/ 143، 152، مغني المحتاج ومعه المنهاج 1/ 67، المبدع 3/ 215، 216، فتح الباري 3/ 617.

(2) انظر بدائع الصنائع 2/ 135، 136، المسلك المتقسط ص116، 117، حاشية ابن عابدين 7/ 111، الحج والعمرة ص99.

تنبيه: اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية على أن من ترك الوقوف بمزدلفة لعذر لم يجب عليه شيء، ومن الأعذار عند الحنفية الزحمة. انظر البحر الرائق 2/ 368، حاشية ابن عابدين 7/ 111، مواهب الجليل 3/ 120، المجموع 8/ 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت