دخول نهار يوم النحر في أشهر الحج، لتعارض مدلول قوله تعالى السابق {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} مع حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فتحصل في هذه المسألة أقوال ثلاثة [1] :
القول الأول: أشهر الحج شوَّال وذو القعدة وذو الحجة، كله وبهذا قال المالكية.
القول الثاني: أشهر الحج شوَّال وذو القعدة وأول عشرة أيام ذي الحجة بلياليها، وبهذا قال الحنفية والحنابلة، واستدلوا بقول ابن عمر رضي الله عنهما -وغيره من الصحابة-: «أَشْهُرِ الحج: شوَّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة» [2] .
القول الثالث: أشهر الحج شوَّالٌ وذو القعدة وعشر ليالٍ من ذي الحجة إلى فجر يوم النحر، ولا يدخل نهار يوم النحر بأشهر الحج، وبهذا قال الشافعية.
والظاهر للباحث رجاحة ما قاله الشافعية من أن أشهر الحج من أول شوَّال إلى فجر اليوم العاشر من ذي الحجة؛ لقوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} أي مَنْ ألزم نفسه في أشهر الحج بالشروع بالحج [3] ، وبعد طلوع الفجر يوم النحر لا ينعقد الإحرام للحج لفوات وقت الوقوف بعرفة، والله أعلم.
وتظهر فائدة الاختلاف في تأخير طواف الإفاضة إلى آخر الشهر: فيجوز تأخيره عند المالكية إلى آخر ذي الحجة [4] ، وإن أخره إلى المُحَرَّم فعليه دم، وعند الحنفية إن أخَّرهُ عن أيام النحر كان عليه دم، أما الشافعية والحنابلة فإن تأخيره غير مؤقت، وسيأتي تفصيل هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
هذا ومما يتصل بالأشهر الحُرُم الشروع بالإحرام للحج، وفيما يلي بيان وقته.
المطلب الثالث
وقت الإحرام للحج
(1) انظر بداية المجتهد 1/ 238، حاشية الدسوقي 2/ 21، الذخيرة 3/ 204، تفسير القرطبي 2/ 405، المبسوط 4/ 60، 61، حاشية ابن عابدين 6/ 507 فما بعدها، المغني 4/ 462، المبدع 3/ 107، الموسوعة الفقهية الكويتية 2/ 142.
(2) رواه البخاري معلقًا في الحج، باب قول الله تعالى: { (( (( (( (( أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ص302. عند رقم(1560) ، وانظر فتح الباري 4/ 491.
(3) انظر تفسير القرطبي 2/ 406.
(4) انظر بداية المجتهد 1/ 238.