عن تعيين الوقت، وتقييد هذا الأمر بالفور تقييد المطلق، ولا يجوز إلا بدليل.
واستدلوا أيضا بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتح مكة عام ثمان من الهجرة، وفي السنة التاسعة استعمل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا بكر على الحج، ولم يحج إلا في السنة العاشرة، ولو كان الحج واجبًا على الفور لما وقع منه هذا التأخير.
والظاهر للباحث جواز تأخير الحج بقدر ما أخره سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وهو عامان؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتح مكة سنة ثمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وانصرف عنها في شوَّال من سنته واستعمل عَتَّاب بن أُسيدٍ على مكة وعلى الحج، ولم يحجَّ من سنته بل رجع إلى المدينة، ثم استعمل أبا بكر رضي الله عنه على الحج سنة تسع [1] ، وكان باستطاعته أن يحج هذه السنة أو التي قبلها، ثم حجَّ في سنة عشر، وإعمال الحديث على ظاهره أولى من إعمال القاعدة الأصولية لدى الحنفية أو الشافعية، والله تعالى أعلم.
استحباب تكرار الحج كل خمس سنوات:
روى الإمام أحمد رحمه الله _وغيره_ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال خَطَبَنَا _يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم_ فقال: (( يا أَيُّهَا الناس كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ، قال: فَقَامَ الأَقْرَعُ بن حَابِسٍ فقال: في كل عَامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: لو قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لم تَعْمَلُوا بها، أو لم تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بها فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ ) ) [2] .
وروى ابن حبان رحمه الله تعالى عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( قال الله: إنَّ عبدًا صححتُ له جسمَه، ووسعتُ عليه في المعيشةِ يمضي عليه خمسةُ أعوامٍ لا يَفِدُ إليَّ لمحرومٌ ) ) [3] .
دل حديث ابن عباس الأول على كبير فضل الله تعالى في التخفيف عن الأمة بأن فرض الحج عليها في العمر مرة واحدة، ولم يوجبه في كل عام، فمن زاد على المرة كان نفلا له، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بيان لميقات حج النفل، فيستحب للمسلم القادر على تكرار الحج أن لا تتجاوز الفترة بين الحجة والأخرى خمس سنوات، لما في ذلك من
(1) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد 3/ 181، 193، 221، 225، الرحيق المختوم ص400، 407، المجموع 7/ 87.
(2) مسند أحمد بن حنبل ج1/ص255،304، وأخرجه الحاكم وصححه؛ المستدرك على الصحيحين ج2/ص321، 3155.
(3) صحيح ابن حبان ج9/ص16، ذكر الاخبار عن اثبات الحرمان لمن وسع الله عليه ثم لم يزر البيت العتيق في كل خمسة أعوام مرة، رقم3703.