وربما أنشد البيت، فغفل عن ترتيب كلماته، فربما اختل وزنه في إنشاده""
وربما أنشد البيت دون تغيير كما أنشد بيت ابن رواحة:
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
وأنشد بيت عنترة:
ولقد أَبيتُ على الطوَى وأَظَلُّه ... كيما أنال به شهيّ المطعم
وذلك من تمام المنافرة بين ملكة بلاغته وملكة الشعراء، ألا ترى أنه لم يكن مطردًا فربما أنشد البيت موزونًا.
هذا من جانب نظم الشعر وموازينه، وكذلك _أيضًا_ جانب قوام الشعر ومعانيه فإن للشعر طرائقَ من الأغراض كالغزل والنسيب والهجاء والمديح والملح، وطرائق من المعاني كالمبالغة البالغة حد الإغراق، وكادعاء الشاعر أحوالًا لنفسه في غرام أو سير أو شجاعة هو خلو من حقائقها؛ فهو كذب مغتفر في صناعة الشعر، وذلك لا يليق بأرفع مقامٍ لكمالات النفس، وهو مقام أعظم الرسل _صلوات الله عليه وعليهم_ فلو أن النبي"قرض الشعر، ولم يأتِ في شعره بأفانين الشعراء لَعُدَّ غضاضةً في شعره، وكانت تلك الغضاضةُ داعيةً للتناول من حرمة كماله في أنفس قومه يستوي فيها العدو والصديق."
على أن الشعراء في ذلك الزمان كانت أحوالهم غيرَ مَرضِيَّةٍ عند أهل المروءة والشرف؛ لما فيهم من الخلاعة والإقبال على السكر والميسر والنساء ونحو ذلك. وحسبك ما هو معلوم من قضية خلع حجر الكندي ابنه امرأ القيس وقد قال _تعالى_: [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ] الآيةَ.
فلو جاء الرسول"بالشعر أو قاله لرمقه الناس بالعين التي لا يرمق بها قدره الجليل وشرفه النبيل."
والمنظور إليه في هذا الشأن هو الغالب الشائع وإلا فقد قال النبي": =إن من الشعر لحكمة+ وقال: =أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:"
ألا كل شيء ماخلا الله باطل+