وقال أيضًا:"عَنْ حَسَنِ بنِ حَسَنِ بنِ عَلِيٍّ:أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا وَقَفَ عَلَى البَيْتِ الَّذِي فِيْهِ قَبْرُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَدْعُو لَهُ،وَيُصَلِّي عَلَيْهِ،فَقَالَ لِلرَّجُلِ: لاَ تَفْعَلْ،فَإِنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (لاَ تَتَّخِذُوا بَيْتِيَ عِيْدًا،وَلاَ تَجْعَلُوا بُيُوْتَكُم قُبُوْرًا،وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ مَا كُنْتُم،فَإِنَّ صَلاَتَكُم تَبْلُغُنِي) ."
هَذَا مُرْسَلٌ،وَمَا اسْتَدَلَّ حَسَنٌ فِي فَتْوَاهُ بِطَائِلٍ مِنَ الدَّلاَلَةِ،فَمَنْ وَقَفَ عِنْدَ الحُجْرَةِ المُقَدَّسَةِ ذَلِيْلًا،مُسْلِمًا،مُصَلِيًّا عَلَى نَبِيِّهِ،فَيَا طُوْبَى لَهُ،فَقَدْ أَحْسَنَ الزِّيَارَةَ،وَأَجْمَلَ فِي التَّذَلُّلِ وَالحُبِّ،وَقَدْ أَتَى بِعِبَادَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي أَرْضِهِ،أَوْ فِي صَلاَتِهِ،إِذِ الزَّائِرُ لَهُ أَجْرُ الزِّيَارَةِ،وَأَجْرُ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ،وَالمُصَلِّي عَلَيْهِ فِي سَائِرِ البِلاَدِ لَهُ أَجْرُ الصَّلاَةِ فَقَطْ،فَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَاحِدَةً،صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا،وَلَكِنْ مَنْ زَارَهُ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - وَأَسَاءَ أَدَبَ الزِّيَارَةِ،أَوْ سَجَدَ لِلْقَبْرِ،أَوْ فَعَلَ مَا لاَ يُشْرَعُ،فَهَذَا فَعَلَ حَسَنًا وَسَيِّئًا،فَيُعَلَّمُ بِرفْقٍ،وَاللهُ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ.
فَوَاللهِ مَا يَحْصَلُ الانْزِعَاجُ لِمُسْلِمٍ،وَالصِّيَاحُ وَتَقْبِيْلُ الجُدْرَانِ،وَكَثْرَةِ البُكَاءِ،إِلاَّ وَهُوَ مُحِبٌّ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ،فَحُبُّهُ المِعْيَارُ وَالفَارِقُ بَيْنَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ،فَزِيَارَةُ قَبْرِهِ مِنْ أَفَضْلِ القُرَبِ،وَشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى قُبُوْرِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ،لَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُوْنٍ فِيْهِ لِعُمُوْمِ قَوْلِهِ - صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيْهِ: (لاَ تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ) .
فَشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَلْزِمٌ لِشَدِّ الرَّحْلِ إِلَى مَسْجِدِهِ،وَذَلِكَ مَشْرُوْعٌ بِلاَ نِزَاعٍ،إِذْ لاَ وُصُوْلَ إِلَى حُجْرَتِهِ إِلاَّ بَعْدَ الدُّخُوْلِ إِلَى مَسْجِدِهِ،فَلْيَبْدَأْ بِتَحِيَّةِ المَسْجِدِ،ثُمَّ بِتَحِيَّةِ صَاحِبِ المَسْجِدِ - رَزَقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ ذَلِكَ آمِيْنَ -." [1] "
وقالَ بَعض المُحَقِّقِينَ: قَوله:"إِلاَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَساجِدَ"المُستَثنَى مِنهُ مَحذُوف،فَإِمّا أَن يُقَدِّرَ عامًّا فَيَصِيرَ: لا تُشَدّ الرِّحال إِلَى مَكانٍ فِي أَيِّ أَمرٍ كانَ إِلاَّ إِلَى الثَّلاثَةِ،أَو أَخَصّ مِن ذَلِكَ. لا سَبِيلَ إِلَى الأَوَّل لإِفضائِهِ إِلَى سَدِّ بابِ السَّفَرِ لِلتِّجارَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وطَلَبِ العِلمِ وغَيرها فَتَعَيَّنَ الثّانِي،والأَولَى أَن يُقَدَّرَ ما هُو أَكثَرُ مُناسَبَة وهُو: لا تُشَدّ الرِّحال إِلَى
(1) - سير أعلام النبلاء - (4 / 483)