فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 340

مَسجِدٍ لِلصَّلاةِ فِيهِ إِلاَّ إِلَى الثَّلاثَةِ،فَيَبطُلُ بِذَلِكَ قَول مَن مَنَعَ شَدَّ الرِّحال إِلَى زِيارَةِ القَبرِ الشَّرِيفِ وغَيره مِن قُبُورِ الصّالِحِينَ والله أَعلَمُ. وقالَ السُّبكِيّ الكَبِير: لَيسَ فِي الأَرضِ بُقعَةٌ لَها فَضل لِذاتها حَتَّى تُشَدَّ الرِّحال إِلَيها غَير البِلادِ الثَّلاثَةِ،ومُرادِي بِالفَضلِ ما شَهِدَ الشَّرع بِاعتِبارِهِ ورَتَّبَ عَلَيهِ حُكمًا شَرعِيًّا،وأَمّا غَيرُها مِن البِلادِ فَلا تُشَدُّ إِلَيها لِذاتها بَل لِزِيارَةٍ أَو جِهاد أَو عِلم أَو نَحو ذَلِكَ مِن المَندُوباتِ أَو المُباحات،قالَ: وقَد التَبَسَ ذَلِكَ عَلَى بَعضِهِم فَزَعَمَ أَنَّ شَدَّ الرِّحالِ إِلَى الزِّيارَةِ لِمَن فِي غَيرِ الثَّلاثَةِ داخِل فِي المَنعِ،وهُو خَطَأٌ لأَنَّ الاستِثناءَ إِنَّما يَكُونُ مِن جِنس المُستَثنَى مِنهُ،فَمَعنَى الحَدِيثِ: لا تُشَدّ الرِّحال إِلَى مَسجِدٍ مِن المَساجِدِ أَو إِلَى مَكانٍ مِن الأَمكِنَةِ لأَجلِ ذَلِكَ المَكانِ إِلاَّ إِلَى الثَّلاثَةِ المَذكُورَةِ،وشَدّ الرِّحال إِلَى زِيارَةٍ أَو طَلَبِ عِلمٍ لَيسَ إِلَى المَكانِ بَل إِلَى مَن فِي ذَلِكَ المَكانِ والله أَعلَمُ." [1] "

وفي نيل الأوطار:"قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شَدِّ الرَّحْلِ لِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ كَالذَّهَابِ إلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ،فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ إلَى حُرْمَتِهِ،وَأَشَارَ عِيَاضٌ إلَى اخْتِيَارِهِ،وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ قَالُوا: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ الثَّابِتَةَ إنَّمَا هِيَ شَدُّ الرَّحْلِ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَاصَّةً انْتَهَى ."

وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ حَدِيثِ شَدِّ الرَّحْلِ بِأَنَّ الْقَصْرَ فِيهِ إضَافِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْمَسَاجِدِ لَا حَقِيقِيٌّ قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ { لَا يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ يُشَدَّ رِحَالُهَا إلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ غَيْرِ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } فَالزِّيَارَةُ وَغَيْرُهَا خَارِجَةٌ عَنْ النَّهْيِ وَأَجَابُوا ثَانِيًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ شَدِّ الرِّحَالِ لِلتِّجَارَةِ وَسَائِرِ مَطَالِبِ الدُّنْيَا .

وَعَلَى وُجُوبِهِ إلَى عَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ وَإِلَى مِنًى لِلْمَنَاسِكِ الَّتِي فِيهَا،وَإِلَى مُزْدَلِفَةَ،وَإِلَى الْجِهَادِ،وَالْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ،وَعَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ لَا

(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة - (3 / 66)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت