وقال الزرقاني:"لا تعمل المطي) أي لا تسير ويسافر عليها. وفي الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة وأبي سعيد لا تشدّ الرحال (إلا إلى ثلاثة مساجد) استثناء مفرغ أي إلى موضع للصلاة فيه إلا لهذه الثلاثة وليس المراد أنه لا يسافر أصلًا إلا لها. قال ابن عبد البر: وإن كان أبو بصرة رآه عامًا فلم يره أبو هريرة إلا في الواجب من النذر،وأما في التبرر كالمواضع التي يتبرك بشهودها والمباح فكزيارة الأخ في الله وليس بداخل في النهي،ويجوز أن خروج أبي هريرة إلى الطور لحاجة عنت له. وقال السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى يسافر إليها لذلك الفضل غير هذه الثلاثة،وأما غيرها فلا يسافر إليها لذاتها بل لمعنى فيها من علم أو جهادا أونحو ذلك،فلم تقع المسافرة إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان.." [1]
وقال النووي:"وَفِي هَذَا الْحَدِيث: فَضِيلَة هَذِهِ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة،وَفَضِيلَة شَدّ الرِّحَال إِلَيْهَا،لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْد جُمْهُور الْعُلَمَاء: لَا فَضِيلَة فِي شَدّ الرِّحَال إِلَى مَسْجِد غَيْرهَا . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ مِنْ أَصْحَابنَا: يَحْرُم شَدّ الرِّحَال إِلَى غَيْرهَا وَهُوَ غَلَط" [2]
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء:"مَعْنَاهُ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ ابْتِغَاءَ الأَجْرِ سِوَى المَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ،فَإِنَّ لَهَا فَضْلًا خَاصًّا."
فَمَنْ قَالَ: لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ شَدُّ الرَّحْلِ إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ،وَقَفَ مَعَ ظَاهِر النَّصِّ،وَأَنَّ الأَمْرَ بِذَلِكَ وَالنَّهْيَ خَاصٌّ بِالمَسَاجِدِ.
وَمَنْ قَالَ بِقِيَاسِ الأُوْلَى،قَالَ: إِذَا كَانَ أَفْضَلَ بِقَاعِ الأَرْضِ مَسَاجِدُهَا،وَالنَّهْيُ وَرَدَ فِيْهَا،فَمَا دُوْنَهَا فِي الفَضْلِ - كَقُبُوْرِ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ - أَوْلَى بِالنَّهْيِ.
أَمَّا مَنْ سَارَ إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ فَاضِلٍ مِنْ غَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ،فَقُربَةٌ بِالإِجْمَاعِ بِلاَ تَرَدُّدٍ،سِوَى مَا شَذَّ بِهِ الشَّعْبِيُّ،وَنَحْوُهُ،فَكَانَ بَلَغَهُمُ النَّهْيُ عَنْ زِيَارَةِ القُبُوْرِ،وَمَا عَلِمُوا بِأَنَّهُ نُسِخَ ذَلِكَ - وَاللهُ أَعْلَمُ -. [3]
(1) - شرح الزرقاني على موطأ مالك - (1 / 491)
(2) - شرح النووي على مسلم - (5 / 59)
(3) - سير أعلام النبلاء - (9 / 368)