الصفحة 9 من 17

ومن الغرائز التي تندفع بشدة غريزة الهدم [1] وغريزة الحب التي تعني حفظ الذات وحفظ النوع [2] .

وبحسب هذا المذهب أيضا فإن حسن السياسة تقتضي عدم التصدي لهذه الغرائز بشدة، خشية أن يفضي ذلك إلى الكبت ويؤدي الأمر بعد ذلك إلى سلوك سبيل الجريمة، ولذا فقد نادي فرويد بالإباحية الجنسية بصفة خاصة عن طريق ما أسماه"الإعلاء"وذلك بإسباغ صفة الشرعية على ذلك الإشباع ليتمكن الإنسان من أرواء غريزة الحب بيسر وسهولة وإلا فإن الأمر قد يدفع الشخص إلى مقارفة الجرائم الجنسية وغيرها.

أما المذهب الثاني وهو مذهب العوامل النفسية:

ويرى أصحاب هذا المذهب أن الانفعالات والعواطف هي محور التحريك هو السلوك، وذلك لما تحدثه من اختلال في التوازن الذي هو سائد في الجسم، إذ تتعطل أجهزة التوجيه والتبصر وتسيطر العاطفة أو الهوى فتقع الجريمة [3] .

ثانيا: تقدير هذه النظرية:

لا شك أن لدى الإنسان ميلا نحو الإشباع المفرط للمطالب الغريزية الفطرية، ولا شك أن للعقل والضمير دورا بارزا في تحقيق الاعتدال، كما أنه مما لا شك فيه أن للانفعالات والعواطف -وهي أمور طارئة ذات أصول ثابتة في النفس- دورا بارزا في إضعاف قوتي العقل والضمير، وذلك لما تحدثه من خلل في التوازن الطبيعي القائم في الجسم.

ولكن فكرة"الإعلاء"التي أشار إليها فرويد إنما هي دعوى ظاهرة إلى إباحة بعض المحظورات وذلك بإسباغ صفة الشرعية عليها ليتيسر اقترافها دون خوف أو وجل كل ذلك تحت تبرير له صيغة علمية وهو خشية التحول إلى الإشباع المصحوب بالجريمة، وذلك تحت مقولة أن الكبت والحرمان هو بوابة الجريمة، وهو الأساس في بناء النفس الميالة نحو الإجرام وهي فكرة قال بها فرويد خدمة لاتجاهه اليهودي الداعي إلى الرذيلة والفحش.

وما عدا ذلك فإن الخط الذي سارت عليه النظرية النفسية في تفسير السلوك الإجرامي هو خط يوافق ما ذهب إليه العلماء المسلمون فهم يرون أن الله سبحانه وتعالى قد خلق في الإنسان قوتين هما قوة النفس وقوة العقل [4] .

(1) فرويد، المرجع السابق/ ص50 والدكتور/ مصطفى فهمي الدوافع النفسية ص85.

(2) فرويد، ص50 ومصطفى فهمي ص5 - 7

(3) يراجع في هذا المعنى الدكتور/ يوسف مراد، مبادئ علم النفس، ص115 والدكتور محمد صفوت سليمان، الطب الشرعي، بحث منشور بمجلة العدالة -الإمارات العربية- السنة 9العدد 33 أكتوبر 1982 ص55 ويراجع هذا المذهب بتوسع في كتاب على الشرفي، المرجع السابق ص76 وما بعدها.

(4) ذكر الإمام الدهلوي- في كتابه حجة الله البالغة ج2 ص88، 89 أن في الإنسان ثلاث لطائف هي العقل والقلب والنفس، فالعقل هو الشيء الذي يدرك بالحواس، ومن صفاته وأفعاله اليقين والشك والتفكير، وأما القلب فهو الذي به يحب الإنسان ويبغض، وأما النفس فهي الشيء الذي به يشتهي الإنسان ما يستلذه من المطاعم والمشارب والمناكح، ومن صفاتها: الشرة والشبق، ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت