لدى أحد المجرمين العتاة وهي المتمثلة في وجود فراغ في مؤخرة الجبهة يشبه ذلك الذي يوجد لدى القردة.
ومعلوم أن استناد هذه النظرية إلى فكرة النشوء والارتقاء هو أمر يضاد الفكر الإسلامي في إبراز أصوله، وهو أصل المنشأ الأول المباشر لأول إنسان وجد على وجه الأرض وهو نبي الله آدم -عليه السلام- إذ خلقه ربه ابتداء وأهبطه إلى الأرض مباشرة على هيئة سوية غاية الاستواء.
ثم أن افتراض كون الإنسان القديم قد عاش متوحشا بربريا هو افتراض غير صحيح، لا باستناده إلى فكرة النشوء والارتقاء فحسب، وإنما بمخالفته لواقع التاريخ الإسلامي.
فالتاريخ الإسلامي -كما أشار إليه القرآن الكريم- يؤكد أن الإنسان ظل تحت عناية الله ورعايته وتوجيهه منذ أن لامست قدماه هذه الأرض، وأنه لم يترك بعيدا عن التوجيه والهداية، ولم يهمل، وذلك هو مقتضى قول الله سبحانه وتعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [1] .
وفي آية أخرى (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى * ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى) [2] .
ثم قوله تعالى: (وإن مِّنْ أُمَّةٍ إلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) [3] .
فمقتضى هذه الآيات يؤكد أن الإنسان القديم والحديث قد كان ولا يزال محميا بالهدى ومحروسا بالشرائع، وأن ما وصف به من صفات التخلف العضوي أو العقلي أو السلوكي هو افتراء عليه وهو مضاد للفكر الإسلامي في مجال المنشأ والتوجيه، وأنه رأي مستند إلى فكرة الحادية باطلة.
وقد يكون من المناسب هنا أن نذكر أن الإنسان الذي عاش قديما على هذه الأرض قد كان على حالة هي أقل شأنا مما عليه الإنسان اليوم إلا أن ذلك قاصر على ميدان الإبداع في مجال الوسائل وما يلزم لها من الأساليب، وما يرتبط بها من الأفكار والاتجاهات وما تنشأ عنه وما
(1) سورة البقرة الآية رقم 38
وقد جاء في تفسير ابن كثير أن المراد بالهدى: إرسال الرسل بالبينات والبيان، وفي تفسير القرطبي: الهدى يعني التوفيق للهداية
يرجع على: ابن كثير ج1 ص83 والقرطبي ج1 ص279.
(2) سورة طه آية رقم 123، 124
(3) سورة فاطر الآية رقم 24.