الصفحة 6 من 17

ثانيا: تقدير هذه النظرية

تعرضت هذه النظرية لانتقادات شديدة كشفت عن أنها ليست قائمة على أساس علمي وأنها لا تقدم تفسيرا صحيحا لعوامل السلوك الإجرامي.

وقد كان الأساس الذي انطلق منه الباحثون في نقد هذه النظرية هو الأساس العلمي، ناظرين إليها من ناحية مدى قدرتها على تفسير السلوك الإجرامي، فكان منهجهم متجها إلى نفي الصفة العلمية عن هذه النظرية، دون أن يحاول أي منهم توجيه النقد إلى الأصول التي تقوم عليها، للكشف عن الأساس الفاسد الذي بنيت عليه.

فهي ابتداء تقوم على افتراض غير علمي وغير واقعي إذ نفترض أن الإنسان الأول الذي عاش على هذه الأرض في الزمن الغابر قد كان غير سوى في طباعه ونزعاته وميوله.

وهذه الفكرة تستند ابتداء إلى افتراض باطل من ناحية العقل والنقل، وذلك هو افتراض التطور الآدمي القائم على فكرة النشوء والارتقاء تلك الفكرة التي وصفت بأنها نظرية علمية وهي لم تزد على كونها في أحسن حالاتها -فرضا علميا [1] - وهي تعني أن الإنسان القديم هو إنسان متخلف عقليا، ومتوحش سلوكيا وأنه يمثل ارتدادا إلى عصور ما قبل التاريخ [2] . وأنه كان بربريا، وهذه الأوصاف إذ نسبت إلى الإنسان القديم تشير في جملتها إلى أن ذلك الإنسان المتصف بها قد كان يومئذ بسبيل الوصول للمرتبة الآدمية التي وصل إليها لتوه بعد تجاوز المرحلة السابقة لها وهي مرحلة البهائم التي تطور منها بفعل عوامل النشوء والارتقاء التي قال بها داروين في نظريته الشهيرة.

وإن ذلك الإنسان بحسب هذه النظرية كان يومئذ قد اكتسب كثيرا من صفات الإنسان إلا أنه لم يتخلص بعد من كل صفات المرحلة السابقة التي ترقي منها إلى المرحلة الآدمية.

وقد استند لمبروزو إلى الفكرة الدارونية في بناء نظريته عن الإنسان المجرم استنادا مباشرا. ودليل ذلك قوله: أن الإنسان المجرم الحاضر ليس إلا نموذجا للإنسان القديم بحيث أنه يحمل صفاته الجسمانية التي كان من أشدها وضوحا وعمقا تلك الصفة التي عثر عليها

(1) من المعلوم أن هناك ثلاث مراتب في مجال البحث العلمي هي:

أ ... مرتبة الفرض العلمي وهي أولى المراتب وتعني أن قضية ما قابلة للبحث لوجود شواهد تؤيدها.

ب ... مرتبة النظرية العلمية وهي تعني أن ما كان فرضا قد صار مؤيدا بعدد كبير من الشواهد إلى حد جعله أقرب إلى الحقيقة منه إلى الافتراض.

ج- مرتبة الحقيقة العلمية وهي تعني أن ذلك الأمر قد صار مؤكدا إذ ثبت بأنه يفسر جميع الظواهر التي يتعرض لها وأنه يصدق عليها جميعا بلا استثناء.

(2) يراجع أستاذنا الدكتور/ حسنين عبيد، المرجع السابق ص37 والدكتور/ عبد الأحد جمال الدين، المرجع السابق ص714

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت